نفوس بشرية بحاجة لمن يكشف عنها على الشاشات

على عكس السينما الغربية تحاشت السينما العربية بشكل عام أن تغوص في ذات الشخصيات وأعطابها النفسية والعقلية.
الأحد 2021/06/06
أفلام كرّست مساحة فريدة للبناء النفسي للشخصيات

في البدء لا يمكن تصوّر أي فيلم سينمائي – درامي من دون شخصية متكاملة البناء والأبعاد، قادرة بالنتيجة على التأثير في الجمهور وأن يجد فيها قسم مهم منهم ذاته أو في الأقل أن يتعاطف معها أو أن يرفضها.

في كل الحالات تكون هنالك مساحة ما لدى المشاهد قد تحرّكت سواء مع أو ضد، وفي كل الحالات أيضا يكون كاتب السيناريو والمخرج قد نجحا في تقديم شخصية درامية متماسكة ورصينة.

ليس ذلك وحده كافيا، فلنتجه أولا إلى منطقة اللامرئي في الشخصية، إلى ما هو غائر وعميق، في اللاوعي والخبرات الماضية والذكريات القاسية التي سوف تنعكس على الشخصية في ما بعد.

هذه المنطقة المتسعة تتطلب اشتغالا مختلفا في ذلك الامتداد السيكولوجي الذي طالما انشغلت به السينما، بينما تحاشت السينما العربية بشكل عام أن تغوص في ذات الشخصيات وأعطابها النفسية والعقلية.

وكما أن هنالك ما يشبه العرف السائد في المجتمع في تحاشي الحديث أو ملامسة الخلل أو المرض النفسي في إطار العيب والمسكوت عنه، وصولا إلى الذهاب إلى عيادة الطبيب النفسي، يبدو أن الأمر قد انسحب إلى السينما، وبهذا وجدنا بشكل جلي أن الشخصيات قد تم تسطيحها كليا وبدت وكأنها دمى أو كائنات روبوتية يحرّكها المخرج حسبما يريد ويلقنها ما يجب أن تقول.

لكن القصة أعمق من ذلك بكثير، إلى ذلك النوع من التجذير الذي يمنح الشخصية بصمتها، فكما أن لها ملامحها الخاصة وبيئتها الاجتماعية التي تميزها فإن لها أيضا بصمتها النفسية، فلدى كل شخصية مستودع كامل وخزين هائل في اللاوعي، وهنالك كم هائل من الخبرات والذكريات، ولكن كل ذلك المنجم لا يتم الاستثمار فيه كما يجب.

ليس المطلوب بالطبع أو لا ينبغي أن يفهم من هذا كله أن ننشغل بسينما مكرّسة للمرضى العقليين أو النفسيين، وإن كانت لذلك مساحة خاصة واسعة في تاريخ السينما، لكن الذي يعنينا هنا الخروج من السطحية والتوغل في داخل البناء النفسي والعقلي للشخصية ولو بالحد الأدنى المعقول.

وهنا سوف نعرض لفيلمين كل منهما كرّس مساحة فريدة منه للبناء النفسي للشخصيات ولمشكلاتها ودوافعها النفسية وهما الفيلم الأميركي “الفتاة الزيبرا” والفيلم المصري “الحارث” ولاحظ كيف تمت مقاربة البعد النفسي وكيف جسدت الشخصية الرئيسية والشخصيات الأخرى هواجسها ولاوعيها وكيف استطاعت أن تخوض في هذا المسار الصعب.

لا شك أن الدراما النفسية هي من الصعوبة بمكان لدى المشاهد وتحتاج إلى طاقة تعبيرية رصينة كما تحتاج من الممثل إلى مزيد من الاجتهاد والاطلاع والقراءة عن العامل النفسي للشخصية وصولا إلى ما تعيشه شخصيات مماثلة، واستشارة خبراء أو أطباء نفسانيين.

لنعد قليلا إلى تجارب سينمائية عالمية رصينة في هذا الباب ومنها مثلا تجربة المخرج السويدي الكبير انغمار برغمان، وتجربة الإيطالي فيديريكو فيليني، ومواطنه بازوليني وصولا إلى تجارب الياباني كوروساوا والروسي بوندرتشوك ومواطنه تاركوفسكي يقابلهما التشيكي البارع كيشلوفيسكي والنمساوي مايكل هاينيكه، وهناك الأميركي كازافيتز ثم البريطاني هتشكوك وغيرهم كثير، والحاصل أن هذه الوفرة من التجارب تظهر لنا بوضوح وموضوعية كيف يتم نحت الشخصيات، وكيف يتم بناؤها واختيارها بإتقان وتميز.

وكما أن الشخصيات التي قدّمها أولئك المخرجون البارعون بقيت عالقة في الذاكرة فإن المخرج في أية تجربة سينمائية سواء أكانت عربية أو غير عربية مطالب بذلك أيضا.

وهنا سوف يتساءل المخرج أيا كانت تجربته، لماذا خلدت شخصية قدمها هذا المخرج بينما سرعان ما نسيت شخصية أو قل شخصيات قدمها مخرج آخر، والحاصل أن هنالك ما هو منسي وملغى ومهمّش ألا وهي النفس البشرية بتشوّهاتها وحقيقتها وأمراضها وعقدها وتوازنها وفشلها وماضيها ولاوعيها؟ كل ذلك يجب أن يظهر بقوة وبراعة على الشاشة وإلا بقيت الشخصيات مسطّحة وغير مقنعة وسرعان ما تندرج طي النسيان.

15