نقابات الأردن تنتفض على "الحرس البيروقراطي"

تحول العلاقة بين مجلس النقباء وعمر الرزاز من المهادنة إلى القطيعة.
الاثنين 2019/05/13
تعيين حماد رسالة للحراك

بيان مجلس النقباء هو بمثابة جرس إنذار لحكومة عمر الرزاز، قد تعقبه خطوات تصعيدية في حال لم تتفاعل الأخيرة مع الرسالة شديدة اللهجة، التي تحمّلها المسؤولية عن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ويرى مراقبون أن الرسالة هي بمثابة إعلان انتهاء الهدنة بين الجانبين.

عمان - أطل مجلس النقباء الأردني وهو عبارة عن تجمّع للنقابات المهنية، ببيان شديد اللهجة الأحد هاجم فيه ما أسماه بـ”الحرس البيروقراطي” وسياساته وحكوماته، مطالبا بمؤتمر وطني جامع، يعيد تحديد اتجاهات السياسات العامة وأهدافها وينظم الأولويات الوطنية.

ويأتي البيان، على وقع تصاعد حالة الاحتقان الشعبي جرّاء الخيارات الحكومية في التعاطي مع الأزمة الاقتصادية المتفاقمة والتحديات الخارجية المتمثلة أساسا في خطة السلام الأميركية المعروفة بـ”صفقة القرن”، والتي يخشى الأردنيون من انعكاساتها على بلدهم.

وشكّل بيان مجلس النقباء (15 نقابة) بمثابة جرس إنذار، لأصحاب القرار الرسمي من الاستمرار في ذات السياسات التي باتت تهدد “بتفكيك الدولة”.

وقال المجلس “إن تسليف الوقت والفرص” للحكومة لم يقابل بالحد الأدنى من الاستجابة الرسمية، وتلازمت هذه الخيبة مع تصاعد الأخطار المحدقة بالوطن والأمة، وفي مقدمتها “صفقة القرن” وانعكاساتها على الأردن.

وأضاف البيان “لعل أخطر ما في تقاطعات تردّي الأوضاع المعيشية والمخاطر السياسية هو ما حملته من تداعيات ومناخات بنيوية تحت عنوان إعادة الهيكلة بما تستبطن من معاني تفكيك الدولة ومؤسساتها، وتفسّخ الطبقة الوسطى واتساع دائرة الفقر والبطالة، وبأدوات شتّى، من البنك وصندوق النقد الدوليين، إلى الليبرالية المتوحشة”.

خيارات الحكومة الأردنية تبدو ضئيلة، ما يجعلها تنحو باتجاه اعتماد المقاربة الأمنية، ولهذا الأمر تبعات خطيرة

وأشار إلى أن “النقابات المهنية الأردنية، التي سبق وتصدّت إلى جانب قوى المجتمع المدني الأخرى، للشكل القديم من الحرس البيروقراطي وسياساته وحكوماته، معنية اليوم بمواجهة الشكل الجديد ورجالاته وأدواته وبرامجه… خاصة وأن الشكل الجديد ليس مجرّد خيارات اقتصادية لا تلقي بالاً للأبعاد الاجتماعية، بل أخطار سياسية تطال الدولة الأردنية ووجودها برمته”.

وتصدّرت النقابات المهنية الاحتجاجات غير المسبوقة التي شهدها الأردن في مايو الماضي ردّا على قانون الضريبة على الداخل الذي طرحته حينها حكومة هاني الملقي، وقد نجح الحراك في إقالة الأخيرة، على أمل أن تكون خليفتها التي قادها عمر الرزاز على مستوى التحديات، وهو ما لم يتحقق جرّاء الاستمرار في ذات النهج السابق.

ودعا مجلس النقباء إلى الإسراع في “تحقيق إصلاح وطني بنيوي شامل يمتن الجبهة الداخلية ويرسخ البنيان” لافتا إلى أن التحديات، الخارجيةً والداخلية، لا يمكن مواجهتها إلا عبر خارطة طريق للإصلاح السياسي والاقتصادي يرسمها مؤتمر وطني أردني يشارك فيه الجميع، يعيد تحديد اتجاهات السياسات العامة وأهدافها وينظم الأولويات الوطنية، وعلى رأسها الحياة الكريمة للمواطن وأمن مستقبله”.

وحذّر “من شيوع اليأس في الوطن معربا عن خيبة أمل شعبية، وهي ترى فريقاً حكومياً لا يمكن أن ينهض بمسؤولية اللحظة الوطنية، وتقرأ في التعديل الحكومي الأخير -على ما شابه من عوار دستوري وقانوني- مقاربةً خشنةً للتعاطي مع الاحتجاجات الشعبية تجلّت في حملة اعتقالات ليلة السبت لعدد من الناشطين السياسيين، وانعكاسا لعقلية أمنية عرفية وعودة إلى منهجية أثبتت فشلها في التعامل مع الفعل الشعبي والناشطين”.

وشكّل التعديل الوزاري الأخير الذي أجراه رئيس الوزراء، النقطة التي أفاضت الكأس حيث اعتمد عمر الرزاز على ذات المعايير السابقة من حيث اختيار تكنوقراط محسوبين على عشائر ومناطق بعينها (معظمهم من العاصمة عمان)، فضلا عن إعادة تعيين سلامة حماد لمنصب وزير الداخلية، ما فُهم منه توجّه رسمي لتشديد القبضة الأمنية، خاصة على الناشطين السياسيين والحقوقيين.

وسرعان ما تأكدت هذه القراءة، حيث أنه ما إن تسلّم حماد الحقيبة، شنّت الأجهزة الأمنية حملة اعتقالات في صفوف الناشطين، ومعظمهم ينتمون إلى عشيرة بني حسن المعروفة، الأمر الذي أدى إلى احتجاجات تخلّلتها عمليات حرق إطارات.

ومعروف عن حماد الذي سبق وتولّى وزارة الداخلية في ثلاث مناسبات كان آخرها في العام 2016، نهجه الصارم في التعاطي مع النشطاء السياسيين.

ويرى محللون أن بيان مجلس النقباء الذي يعد فاعلا رئيسيا يصعب تجاوزه في المعادلة الأردنية القائمة، قد تستتبعه خطوات تصعيدية في حال لم تأخذ حكومة الرزاز بعين الاعتبار تحذيراته.

Thumbnail

ويواجه الأردن أزمة اقتصادية مستفحلة، أثّرت بشكل ملموس على مختلف شرائح المجتمع الأردني، وسط غياب استراتيجية عملية لاحتوائها مع تراجع الدعم الدولي والإقليمي، بفعل تغيّر الأولويات في المنطقة.

ويقول المحللون إن خيارات الحكومة الأردنية تبدو ضئيلة، ما يجعلها تنحو باتجاه اعتماد المقاربة الأمنية، ولهذا الأمر تبعات خطيرة حيث أنه قد يولّد رد فعل عنيفة خاصة في أوساط الطبقتين الوسطى والفقيرة.

ويعتبر هؤلاء أن بيان التحالف النقابي هو بمثابة إعلان لانتهاء الهدنة مع حكومة الرزاز، خاصة بعد أن أظهرت الأخيرة أنه ليس لديها الإرادة السياسية الكافية، للقطع مع السياسات الاقتصادية السابقة، التي تقوم أساسا على الزيادات الضريبية.

وسجل في السنوات الأخيرة صعود لافت لدور النقابات المهنية في الأردن، يعزوه البعض إلى خواء الساحة السياسية من أحزاب قوية. ويشكّل هذا الصعود مصدر قلق متعاظم بالنسبة لأصحاب القرار الرسمي بالنظر إلى تأثير هذه النقابات على الشارع.

وقد سعت الحكومة الحالية في بداية تشكّلها إلى التقارب مع مجلس النقباء واحتوائه، بيد أن هذا المسار سرعان ما انتكس، في ظل عجز عمر الرزاز عن الإيفاء بتعهداته لجهة تغيير النهج القائم في التعاطي مع الأوضاع الداخلية، لعدّة أسباب لعل من بينها الممانعة القوية التي يواجهها من القوى المحافظة، التي ترفض أي تغيير أو إصلاح لخشيتها من تأثيره على مصالحها والامتيازات التي راكمتها على مر العقود الماضية.

2