نقابات تونس تخوض معركة فاصلة ضد بيع الشركات الحكومية

قوة النقابات المفرطة تخيف المستثمرين المحليين والأجانب، والحكومة ضاقت ذرعا بمقاومة النقابات لجميع برامج الإصلاح.
الاثنين 2018/03/26
جدار الصد الأكبر أمام اصلاحات الحكومة

تونس - صعّد الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر نقابة عمالية في البلاد، من لهجته التي تهدد مستقبل الإصلاحات الاقتصادية التي تعمل الحكومة على تنفيذها، ولا سيما تلك المتعلقة ببيع الشركات المتعثرة المملوكة للدولة.

ويبدي المسؤولون في النقابات وشريحة واسعة من الخبراء في تونس قلقهم الشديد من خطط الإصلاح القاسية لا سيما في ما يتعلق بخصخصة الشركات الحكومية التي باتت تشكل عبئا كبيرا على الدولة.

ويفجر لجوء الحكومة إلى الخطوات السهلة لإنعاش الاقتصاد غضب الاتحاد الذي أظهر تحديا شديدا لخططها هذه المرة وأبدى استعداده لمواجهة أي خطوة من شأنها خصخصة شركات القطاع العام التي اعتبر أنها خط أحمر.

 

الحكومة التونسية دخلت في معركة فاصلة في طريق خصخصة الشركات المملوكة للدولة بعد أن سئمت العصي التي تضعها النقابات في عجلات برامجها، حيث يقول محللون إنها تعطي صورة سلبية عن مناخ الاستثمار الذي تراهن عليه السلطات للابتعاد عن دوامة الأزمات التي تكبل إنعاش الاقتصاد المنهك

ويرى العديد من المحللين أن التوتر المتصاعد بين الطرفين في الفترة الأخيرة ينذر بانفجار اجتماعي قد يعمق الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد منذ أكثر من سبع سنوات.

وقال نورالدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد صاحب التأثير القوي بين العمال خلال تجمع في مدينة سوسة الساحلية السبت الماضي إنه “لا شيء للبيع في تونس والمؤسسات العمومية خط أحمر”.

واعتبر متابعون للشأن الاقتصادي التونسي كلام الطبوبي أقوى رد من النقابة حتى الآن على رئيس الحكومة يوسف الشاهد، الذي أكد في جلسة أمام البرلمان الأسبوع الماضي، أن بيع بعض شركات القطاع العام أحد الحلول لتمويل العجز في موازنة 2018.

وتهدف الحكومة من وراء الإصلاحات إلى خفض العجز المالي من 6 بالمئة حاليا إلى نحو 4.9 بالمئة العام المقبل ليصل إلى 3 بالمئة بحلول 2020، مع التحكم في حجم الإنفاق المنفلت والموجه لبند الرواتب.

وتهيمن الدولة على كافة القطاعات حيث يبلغ عدد الشركات المملوكة لها 216 شركة في 21 قطاعا، أغلبها تعمل في مجال الطاقة والصناعة والصحة والخدمات، وهذا الأمر سبب لها مشكلة كبيرة أدت إلى عجزها عن توفير الأموال لإدارتها.

وكشفت الحكومة في نوفمبر الماضي عن تفاصيل برنامج لخصخصة مؤسسات القطاع العام التي اقتربت من الإفلاس وباتت عبئا ثقيلا على الدولة من ناحية تمويلها في ظل العجز الكبير الذي تعاني منه البلاد للعام السابع على التوالي.

يوسف الشاهد: بيع بعض الشركات الحكومية أحد الحلول لتمويل عجز موازنة 2018
يوسف الشاهد: بيع بعض الشركات الحكومية أحد الحلول لتمويل عجز موازنة 2018

وقال توفيق الراجحي، الوزير المكلف لدى رئيس الحكومة بالإصلاحات الكبرى، حينها إن الدولة “تخطط للتفويت في 15 مؤسسة ومنشأة بحلول عام 2020” كمرحلة أولى.

لكن الأرقام التي ساقها الراجحي في ذلك الوقت حول الخسائر المالية للشركات والتي يقول إنها بلغت قرابة 5 مليارات دولار نظرا لتعطل النمو والنشاط الاقتصادي، تتعارض مع الرقم الذي ساقه الشاهد الجمعة الماضي بأن خسائرها بلغت 2.72 مليار دولار.

ورغم استبعاد الشاهد بيع الشركات العاملة في قطاعات حيوية مثل الكهرباء والغاز وتوزيع المياه، لكن النقابة العمالية ترفض كل مظاهر استعراض القوة من رئيس الحكومة.

وقال الأمين العام للاتحاد إن “رئيس الحكومة يستعرض عضلاته، وقد تحدث عن برنامجه للصناديق الاجتماعية والمؤسسات العمومية.. نقدر حماسة الشباب فيك، لكن أنت اخترت المعركة ونحن لها”.

وكان الاتحاد قد حذر الحكومة الأسبوع الماضي من مغبة خصخصة الخطوط التونسية التي تعاني من أزمة، رغم أن السلطات نفت وجود خطوة من هذا النوع.

ويسبب الركود الاقتصادي قلقا للتونسيين في ظل دعوات المقرضين الدوليين لتسريع نسق الإصلاحات في المؤسسات الحكومية والشركات العامة والصناديق الاجتماعية ومنظومة الدعم.

نورالدين الطبوبي: لا شيء للبيع في تونس وخصخصة شركات القطاع العام خط أحمر
نورالدين الطبوبي: لا شيء للبيع في تونس وخصخصة شركات القطاع العام خط أحمر

ولدى الاتحاد تحفظات أخرى حول حزمة الإصلاحات، ومن بينها مسألة الاقتطاعات المعلنة في الأجور لتخفيف الأعباء الثقيلة على الصناديق الاجتماعية، فضلا عن اقتطاعات على مداخيل الموظفين بعنوان مساهمات استثنائية لدعم موارد الدولة المالية.

وانعكس تباطؤ النمو الاقتصادي في البلاد خلال السنوات السبع الأخيرة على وضعيات تلك الصناديق بعد أن باتت ترزح تحت وطأة عجز مالي كبير، إلى درجة أن الأوساط الاقتصادية تتحدث عن إفلاسها.

وتريد السلطات توظيف المساهمات الجديدة على أساس سد العجز في الصناديق التي تشكو عجزا ماليا فاق 791 مليون دولار، وفق بيانات رسمية.

ويتوقع أن ينظم الاتحاد تجمعات عمالية كبرى في مختلف أنحاء البلاد ستصل إلى ذروتها بتجمع ضخم في العاصمة بعد أن أكد الطبوبي قائلا “سنعمل ليل نهار من أجل التصدي لهذا المشروع الخطير جدا على التونسيين”.

ووصل معدل التضخم الشهر الماضي إلى أعلى معدل له منذ قرابة ثلاثة عقود عندما سجل 7.1 بالمئة، بينما تراجع احتياطي النقد الأجنبي إلى ما دون حاجز الخمسة مليارات دولار للمرة الأولى منذ 2010.

وتأمل الحكومة في أن تدفع الإصلاحات الاقتصادية في كافة الاتجاهات إلى تحقيق نسبة نمو في حدود 3 بالمئة هذا العام، مقابل 1.9 بالمئة العام الماضي، وكبح انفلات الدين العام القابع عند حوالي 70 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، والذي يعتبر من أعلى المستويات حول العالم.

11