نقابة الأطباء المصريين في اختبار الاستقلالية

انتخابات الأطباء القادمة تعدّ فصلا جادا في فصول العلاقة بين التجمعات المهنية والسلطة، وسط تساؤلات عن قدرة الأطباء على المحافظة على دور نقابي متوازن يسمح لهم بالضغط.
الأحد 2019/06/30
مخاوف من تقييد العمل النقابي في مصر

القاهرة - على خلاف كافة النقابات المهنية في مصر التي تخلت عن دورها المعارض ودخلت في حالة وئام مع الحكومة، تقف نقابة الأطباء على مسافة واحدة بين الاستقلالية أو الانحياز في الانتخابات المقبلة.

وفيما حرك تجمع المهنيين الأوضاع السياسية والمياه الراكدة في السودان، وتحررت النقابات في الأردن من سيطرة القوى الدينية، تخضع نقابة الأطباء في مصر لاختبار حيوي قد يحفظ للنقابة صوتها المنتقد أو تنحاز إلى الدوران في فلك الحكومة.

وتغلق نقابة الأطباء المصرية، الأحد، باب تلقي طلبات الترشح على منصب النقيب و12 عضوا من مجلس النقابة العامة، فضلا عن مرشحي النقابات الفرعية، لتبدأ مرحلة الطعون والتنازلات والدعاية وصولا إلى الاقتراع المقرر له في 11 أكتوبر المقبل.

ترجع أهمية الانتخابات إلى طبيعة نقابة الأطباء التي خاضت صدامات عديدة مع الحكومة، والأسماء المرشحة لمنصب النقيب، إذ تترشح المعارضة البارزة منى مينا للمنصب لأول مرة، وتبدو الأوفر حظا في نظر الكثيرين.

تتجاوز شعبية منى مينا جدران نقابة الأطباء إلى عموم المهتمين بالشأن العام، منذ أن كانت ناشطة يسارية وحقوقية بارزة، وبعدما أسست حركة “أطباء بلا حقوق” لتحقق حراكا في القطاع الهادئ وصولا إلى دخولها في معارك نقابية مختلفة.

وقالت عند تقديم أوراق ترشحها على منصب النقيب “مجلس النقابة لا يحمل عصا سحرية لحل المشكلات، فتفاعل الجمعية العمومية هو الفيصل”.

ويرى مراقبون أن الحكومة تفضل المواءمة مع النقابات المهنية لتحقيق مكاسب مشتركة دون ممارسة ضغوط، أو العمل على توفير أوراق للتشهير يمكن أن تستخدمها جماعة الإخوان، المصنفة إرهابية في مصر وبعض الدول العربية، لانتقاد الحكومة وجلب مواقف معادية لها في المحافل الدولية.

ومثلت النقابات المهنية بابا خلفيا للجماعة نفذت منه إلى قطاعات في المجتمع على مدار ثلاثين عاما تقريبا، عندما فرضت سيطرتها على النقابات قبل انفراط عقدها مع دخولها مواجهة شاملة ضد الدولة ومؤسساتها، استدعت قرارات حكومية بحظر الجماعة وتقويض دور المنتمين إليها في النقابات المهنية.

سواء كانت النظرة الحكومية المتحفظة على العمل النقابي مصدرها التحسب من ظهور بوادر لأنشطة مقلقة، أو جزءا من سياسة عامة تمنح أولوية للدواعي الأمنية على غيرها، فقد أنتج المناخ العام مجالس نقابية موالية قللت من فعالية التجمعات المهنية على الساحة السياسية.

وبقيت نقابة الأطباء من الدوائر القليلة، مثل نقابة الصحافيين، التي تضم أصواتا معارضة، ويتعامل عدد من أعضائها مع الأزمات السياسية بطريقة لم تخل من رغبة في إحراج الحكومة، وربما مواجهتها، لاستعادة زخم النقابات في الشارع.

وتعد انتخابات الأطباء القادمة فصلا جادا في فصول العلاقة بين التجمعات المهنية والسلطة، وسط تساؤلات عن قدرة الأطباء على المحافظة على دور نقابي متوازن يسمح لهم بالضغط، بل والصدام أحيانا، في ظل مخاوف من إفراز الانتخابات وجوها جديدة تجلب المنفعة المادية عبر الليونة السياسية.

وتعكس خارطة المرشحين على انتخابات التجديد النصفي في نقابة الأطباء، غلبة المعارضة عن المرشحين المحسوبين على الموالاة. وتتصدر المعارضة قائمة “الاستقلال” التي اكتسحت الانتخابات النقابية السابقة عام 2015، وينتمي إليها النقيب الحالي الدكتور حسين خيري، وهو أحد المرشحين الحاليين لدورة ثانية.

وتترشح من القائمة ذاتها على منصب النقيب منى مينا، وهي الوكيل الحالي للنقابة وإيهاب الطاهر، الأمين العام، ما يشير إلى مغزى طرح أكثر من اسم للقائمة ذاتها، وهل يعكس قلقا من إقصاء بعض المرشحين، ومن ثم وجود بدائل؟

 نقابة الأطباء في مصر تخضع لاختبار حيوي
 نقابة الأطباء في مصر تخضع لاختبار حيوي 

وأكد الطاهر، الأمين العام للنقابة والمرشح لمنصب النقيب، لـ”العرب” أنه “جرى ترك الحرية للأعضاء للتعبير عن رغبتهم في تولي منصب النقيب، والاتفاق على أن إجراء استطلاع رأي داخلي بين قواعد الأطباء، بحيث يتم التنازل للشخص صاحب الشعبية، وعدم خوض الانتخابات في مواجهة بعضنا البعض”.

لا زالت مخاطر تفتيت الأصوات بين المعارضين مطروحة، فقد تقدم إلى منصب النقيب العام إبراهيم الزيات نقيب أطباء الدقهلية (شمال القاهرة)، المعروف بمواقفه الصلبة المعارضة.

ولا يستبعد متابعون أن تشمل أن التفاهمات كافة الشخصيات، التي يجمعها برنامج واحد، ليصلوا في النهاية إلى مرشح توافقي.

ويُعد محمد نصر نقيب أطباء الجيزة، القريبة من القاهرة، والقيادي الوفدي المنافس الأقوى لقائمة الاستقلال، وقد يحقق معادلة المواءمة مع الحكومة، وأعلن تشكيله قائمة تحمل اسم “التقارب”، وهو مؤشر ترجمه البعض باعتباره علامة على التقارب بين النقابة والحكومة.

وفسر نصر التقارب الذي يسعى إلى إحداثه بأنه “تقريب الفوارق بين الأطباء ماديا وتدريبيا وعمليا، والقائمة ستعمل، حال فوزها، على إصدار تشريع لحصانة الأطباء، وعدم تحويل أي طبيب إلى النيابة في قضية مهنية سوى بقرار من لجنة نقابية متخصصة تضم ممثلا عن القضاء”.

لا يستبعد إيهاب الطاهر، المرشح عن قائمة الاستقلال، تدخل السلطة لدعم أحد المرشحين أو القوائم في مواجهة قائمة الاستقلال، قائلا لـ”العرب”، “السلطة تدخلت من قبل بطرح مرشحين ينتمون إلى الجهاز التنفيذي في مناصب مساعدي الوزير السابق آنذاك، إننا ننتظر حتى نرى الممارسات والتي يمكن منها استخلاص تدخل السلطة من عدمه”.

وأقر المرشح النقابي أهمية سلاح الأموال الذي يستخدمه مرشحو الموالاة لحسم الانتخابات بوعود براقة، لافتا إلى أن الأطباء أكثر وعيا من أن يمنحوا أصواتهم مقابل زيادات مادية، وسط منظومة لا تسعى لتحقيق طفرات في ملف الأطباء.

وشدد على أن قائمتهم سوف تستمر في الضغط لإنجاز الملفات العالقة، خاصة ما يتعلق بقوانين ضبط المنظومة، وفي مقدمتها تشديد عقوبة الاعتداء على الأطباء خلال تأدية عملهم، وإلزام الحكومة بتوفير الأجهزة والمستلزمات الطبية في المستشفيات، التي يعد غيابها سببا رئيسيا في اعتداء أهالي المرضى على الأطباء.

ورجحت دوائر متابعة في مصر صعوبة نقل تجربة المهنيين في السودان، لأن البيئة السياسية هناك مواتية ليتفاعل الكثير من النقابات مع نبض الشارع، بينما الوقت لا يزال طويلا في مصر، بعد أن تم تقليص الأجنحة الفاعلة لها في السنوات الماضية، بعدما لعبت دورا مهما في الحراك الذي مهد لثورة 25 يناير 2011.

3