نقاد الأغلفة

الخميس 2017/09/28

نريد أن نقول أنّ النقد العراقي تخلّف كثيرا عن مواكبة الخطاب الأدبي المحلي منذ أربعة عشر عاما، وهي فترة زمنية نعتقدها كافية لبلورة مناهج نقدية تسايِر المنجز الأدبي الصاعد ولا سيما المنجز السردي الذي فاق التوقعات بتحقيق نصوص روائية كمية لا سابق للسرد الروائي العراقي أن حققها عبر سنوات تأسيسه الطويلة، وفي أكثر من مقال أشرنا إلى هذا المتحقق الكمي الذي لا يخلو من أيّ نوع في الأحوال كلها، لكن بقي النقد في خانة أخرى غير حافل بهذه الثورة السردية العارمة التي اجتاحت دور النشر المحلية والعربية مثلما بقي عاجزا عن متابعاته لجيل شعري أسسته معطيات ومتغيرات سياسية جوهرية في ما بعد 2003، والحالة ذاتها تنطبق إلى حدّ كبير على المنجز التشكيلي الذي لم يتوقف بأجياله الرافدة للمشهد الفني والثقافي العام.

لا نعدم كليا عدم وجود نقد أدبي، فمع وجود بعض الأسماء الراسخة التي لها رصيد نقدي والتي داهمها المنجز المتواصل، يكاد مثل هذا المشهد يتوارى عن الكتابة والمتابعة والتقييم، وما يجري اليوم هو متابعات صحافية أولا ليست لها علاقة بآليات النقد واستنتاجاته الجمالية، وثانيا أخذت مواقع التواصل الاجتماعي الحصة الأكبر في تكوين الانطباعات (النقدية) وتضليل القارئ وتوجيهه إلى النتاج الأدبي الذي تريده هذه المجموعة أو تلك وهي مجموعات إما عفوية غير قادرة على تشخيص النوع الإبداعي بجمالياته الفنية بل تتأثر بجو الإشاعة العام، أو هي مجموعات ممنهجة ومبرمجة تقف وراءها دور نشر مهمتها التشويش على القارئ وتوجيهه إلى مطبوعاتها. ونعتقد أيضا أن وراءها أشخاصا يقومون بالترويج لأعمالهم البسيطة وهذا سهل الإثبات وبلا عناء.

ومن هذا التأثير المباشر وغير المباشر ضاعت الكثير من المشاريع النقدية الجدية في هذه الفوضى غير الخلاقة التي خلطت الرديء بالإبداعي المميز ووجد الناقد نفسه في حواضن يومية تشيع الكثير من الجهل بالقراءة والفرز واستنباط جماليات نقدية جديدة في هذا الأثر أو ذاك.

في الصحافة اليومية تجري متابعات “نقدية” غريبة يسمونها “قراءات” تخلصا من المنهجية النقدية المعروفة التي تكشف صلة الكاتب بميدانه الأدبي، وهذه القراءات تكتفي بقراءة “ملخصات” كتبية لتشكيل انطباعات خارجية عنها، لا يدخل في بابها النقد في الأحوال كلها، وأحيانا كثيرة تكون تلك الملخصات على أغلفة الكتب الخلفية التي تقوم بها دور النشر أو المؤلفون أنفسهم لتعطي صورة سريعة عن فحوى الكتاب، وعلى هذا يؤسس “نقّاد الأغلفة” تضليلا متوقعا على القارئ بكتابات إنشائية عامة مقيدة بالملخص الذي لا يتجاوز الـ150 كلمة، ومثل هؤلاء كثيرون “احترفوا” هذه الطريقة اليومية وأشاعوا فوضى نقدية لا يمكن تجاهل تشويهاتها المتعددة في القضاء على أفكار المؤلفين في ثنايا الكتب، منها الروائية والقصصية ومنها الدراسات المختلفة في شؤون الثقافة وتفرعاتها الكثيرة، فالملخّص لا يعطي الانطباع الكامل عن الكتاب، وأحيانا يكون ضرره أكثر من نفعه ولا سيما الإنتاج السردي الروائي والقصصي الذي لا يمكن اختصار ثيمته في أسطر قليلة.

نقاد الأغلفة ظاهرة موجودة في حياتنا الثقافية وزادت من سعتها الصحف الكثيرة التي يديرها أنصاف محررين لا علاقة لهم بالتحرير الثقافي، وساهموا بقصدية أو من دونها في شيوعها، لذلك تجد العديد من الصحف اليومية تكتفي بشذرات تلخيصية لكتب أدبية وثقافية مهمة في عناوينها وتوجهاتها الفكرية والجمالية والفنية صادرة حديثا من دون أن يقف المحرر عندها بتفصيلٍ قليل سوى ما هو موجود على ظهر الغلاف من معلومات مبتسرة.

نقاد الأغلفة الذين اكتسحوا النقد الرصين بقّالون صغار، كشفهم القرّاء النوعيون وأشاروا إليهم في أكثر من مناسبة؛ وهذا يعني ضرورة أن يستعيد النقد العراقي عافيته، فالعُملة الجيّدة تطرد العملة الرديئة في الأحوال كلها.

كاتب عراقي

14