نقاد غربيون وكتاب عن العلاقة بين الثقافة والمجتمع

لعل تعريف الثقافة كمفهوم ومحاولة تفسيرها بات جزءا من صيرورة وجودها وإعادة تشكلها الدائم، لكنه يبقى خطابا لا يخلو من التعقيد والتداخل والإطناب، فالنظر إلى الطريقة التي تعمل بها الثقافة وتحديد ماهيتها يعني الحاجة إلى تفحصها وهي في حالة جريان دائمة.
السبت 2016/12/31
ثقافات متعددة تؤثر كل منها فينا بطرقها المختلفة

نظرية الثقافة في تعريف رايموند ويليامز، هي “دراسة العلاقات القائمة بين العناصر في طريقة حياة، بأكملها. أما تحليل الثقافة، فهو محاولة اكتشاف طبيعة التنظيم التي هي عقدة هذه العلاقات”.

يسعى كتاب “غبش المرايا، فصول في الثقافة والنظرية الثقافية”، إعداد وترجمة خالدة حامد لأن يجتهد في بحث إشكالية كهذه، وعبر نصوص أساسية، منتقاة، لمفكرين ونقاد، وقع الاختيار عليهم، وهم: ريموند ويليامز، تيودور أدرنو وماكس هوركهايمر، ستيوارت هول، كليفورد غيرتز، أنطونيو غرامشي، بيير بورديو، ميشيل دي سيرتو، ميكائيل ريتشاردسون، بيل هوكس، وتيري إيغلتون. نصوص يتمثل مسعاها عبر مقاربات في شكل خطابات تفترض رؤى تحليلية لهذه الممارسة المعرفية والتخيلية.

يشخص الكتاب الصادر عن “منشورات المتوسط” بميلانو، جدل العلاقة بين المجتمع والثقافة بكون الأخيرة طريقة حياة موجودة في الفن والتعلم وفي المؤسسات والسلوك الاعتيادي، هذا ما تكشف عنه دراسة ريموند ويليامز “تحليل الثقافة”، والتي يبين خلالها الناقد وجود ثلاث فئات منها.

الأولى، فئة المثالية في ضوء القيم المطلقة المعبّرة عن صيرورة الكمال الإنساني، واكتشاف ووصف تلك القيم الموجودة في الحيوات والأعمال. والفئة الثانية، التوثيقية، أي الثقافة بوصفها مجمل العمل الفكري والفني والخيالي الذي يصف ويقوّم التجربة عبر نشاط نقدي يقول إنه امتداد لقيم التراث، فيما تشخّص الفئة الثالثة، في تعريف اجتماعي تعدّ فيه الثقافة توصيفا للحياة.

في المقالة التأسيسية “صناعة الثقافة، التنوير بوصفه خداعا»، يصرح كل من أدرنو وهوركهايمر، بتعددية الحضور الذي باتت تدمغ فيه الثقافة نفسها، أنها موجودة في صناعة الأفلام، المجلات، الأنشطة الجمالية، العمارة، وفي المظاهر التي تمجّد التقدم التكنولوجي، وفي طبيعة اتحاد يقدّم هوية زائفة للعام والخاص معا، والتي لا تتظاهر بوصفها فنا بل «محض عمل تجاري تم تحويله إلى أيديولوجيا”.

إنها بالأحرى صناعة ثقافية من منظور تقني، قامت معاييرها على حاجات المستهلك، وهي في حقيقتها نتاج “سلطة أولئك الذين تكون قبضتهم الاقتصادية على المجتمع هي الأقوى”. نتاج يعزز مبدأ الهيمنة على مجتمع بات مغتربا عن نفسه.

يقرّ هول بأن الدراسات الثقافية قد دخلت من مجالات اليسار الجديد، وهي لم ترتبط بأيّ علاقة بالقضايا النظرية للثقافة، ولكنها نشأت من لحظة تفكر بنوع من الخطاب الماركسي ونقده لمفاهيم السلطة والعلاقة معها، إمكانيات رأس المال، قضايا الطبقة، الجندر والحركات النسوية، والتي باتت تاليا بمثابة توجهات نظرية تكدست على طاولة الدراسات.

لقد كانت لمفهوم الثقافة هيئة قوية وحدّ لا لبس فيه، ذلك حينما كان الغرب واثقا من نفسه، عقلانيا، ورعا، وتقدميا. إلا أن التحول جاء لأسباب سياسية وأخلاقية وعلمية، جعل من مفهومها ساذجا للغاية، وباتت تعني الجزر، والقبائل، والأديان، والجماعات العرقية. وهو ما يوضحه كليفورد غيرتز في مقالته “ثقافات”.

في مقالته “خبرة الثقافة” يفترض مايكل ريشاردسون، أن الثقافة ليست واحدة بل ثقافات متعددة تؤثر كل منها فينا بطرقها المختلفة. لكن يبقى الاختلاف الثقافي لغزا، فكل مجتمع يدعو إلى إنشاء معايير ثقافية مختلفة ومغايرة للمجتمع الآخر، ما يجعل النوع الإنساني، بخلاف كائنات أخرى، بعيدا تماما في تماثله، حيث “الرغبة في التمايز تعد جوهرية، بالنسبة إلى طبيعة البشر، فنحن نعرّف أنفسنا ليس بما نحن عليه، بل بما نحن لسنا عليه”.

مفهوم الثقافة شرك واقع بين تصوّرين، واسع كما في دلالته الأنثروبولوجية، وضيق كما في معناه الجمالي، ويفترض هذا الصراع بين معنى الثقافة الأوسع والأضيق في الوقت الراهن طابعا يبعث على المفارقة، فالذي حدث هو أن مفهوم الثقافة المحلي، بدأ بالحضور عالميا وأصبح مهيمنا، فيما عززت ثقافة ما بعد الحداثة ممارساتها بكونها صراعا واقعيا لا توفيقا تخيليا.

17