نقاد مجهولون وذائقة جديدة صارت حكما على كتب الأدب

العلاقة بين القارئ والعمل الإبداعي اُختزلت في فترة من الفترات إلى اعتبار القارئ متلقيا للعمل دون مشاركة حقيقية وهو عكس دوره الحقيقي.
الثلاثاء 2018/03/27
للجمهور ذائقته التي تختلف عن ذائقة لجان التحكيم

قديمًا كانت إحدى مهام الناقد “الإغراء بالقراءة”. فإلى جانب قيام الناقد بفحص الأعمال، وتمييز جيّدها من رديئها، وأصيلها من منتحلها، كان له دور آخر لا يقلُّ أهميّة عن مهمّة الفحص والتقييم، حيث يقوم بتوجيه القرّاء بطريقة غير مباشرة، إلى الأعمال الرّصينة الجيّدة التي يجب أن تلفتَ انتباههم.

غاب هذا الناقد، وكذلك غاب معه الدور الحقيقي للنقد، ومن ثمّ أخذت الأصوات تعلو بموت الناقد كما ذهبَ رونالد ماكدونالد، وإن كان يعزو هذا الغياب إلى بدائل جديدة حلَّت، أهمّها انصراف الناقد الأكاديمي إلى صومعته، وهيمنة العروض الصُّحفيّة التي مارست دور الناقد، وإنْ كانت بتسطيح مُخْجلٍ، فصارت أشبه بالناقد الزّائف الذي يُجمّل القُبح بتسليط الضوء على أعمال لا تستحق الاهتمام.

حلّ القارئ العادي محل الناقد المتمكّن، وأتاحت عوامل عديدة، منها وسائل التواصل الاجتماعي؛ أن يُمارس القارئ سُلطة تقييم الأعمال، وإبداء الآراء بحرية وسهولة، وهو الأمر الذي حقّق بغيته لدى المبدع، الذي وَلَّى وجهته هو الآخر صوبَ مواقع القراءة مثل “جود رديدز”. فشرع في إنشاء صفحات لأعماله على هذا الموقع الشهير، وَتَتبُّع ما يُكتب عليها مِن تقييمات.

حضور القارئ العادي قديم، وليس جديدًا، وإنْ كانت الميديا أعادتْ ظهوره من جديد. في الحقيقة المتتبع لهذا الموقع وما أتاحته وسائل الميديا من سبل أسهمتْ في نشر الآراء بحرية، يتأكد من شيئيْن مهمّيْن؛ الأوّل أن نسبة القراءة -في المجتمع العربي- في تزايد، على عكس ما كان يتردّد من قبل، خاصّة في قطاع الشّباب الذي لم يكتفِ بالقراءة المجرَّدة وإنما مارسَ دورًا أكثر إيجابية في تقييم الأعمال من وجهة نظره، وهو ما كشف عن ذائقة جديرة بالتوقف عندها، وفي الوقت نفسه أكّد على دور القارئ العادي أو الجمهور، وأبرز سلطته الحقيقية التي انبنت عليها العملية الإبداعية منذ القدم.

 

الانفتاح التكنولوجي وسهولة التواصل والنشر خلقا نوعا جديدا من التقييمات الأدبية، التي لم تعد تمر بنقاد مختصين بل باتت عملية مباشرة بين الكاتب والقارئ، وهو ما جعل الكثير من الكتاب ينساقون وراء آراء القراء، ولكن نتساءل هنا هل يمكن أن يساهم هذا في تحسين جودة الأدب؟

فالعلاقة بين القارئ والعمل الإبداعي اُختزلت في فترة من الفترات إلى اعتبار القارئ متلقيًّا للعمل دون مشاركة حقيقية، وهو عكس دوره الحقيقي، فلطالما ارتبطت نشأة الكثير من الفنون الإبداعية بحاجة الجمهور إليها، كما كان لذائقة الجمهور دورٌ مؤثرٌ في سيادة موضوعات معينة.

تواري دور الناقد الحقيقي أدّى إلى تصاعد دور القارئ من جديد، والأعجب أنّه تجاوز دوره في ممارسة سلطته في فرض أنواع معينة من الكتابات كروايات الحبّ والجريمة وروايات الرعب والخيال العلمي وغيرها من موضوعات أخذتْ تستقطبُ قرّاءها.

والمدهش حقًّا أنّ هناك رواياتٍ كثيرة من تلك التي خرجت من نتائج تحكيم النقاد المتخصصين، وأقصد بها روايات الجوائز، ليس لها وجود عند القارئ العادي. وهو ما يعني أنّ ثمّة ذائقةً جديدةً صارت هي الحَكَمُ على المنتَج الأدبي. ولنا أنْ نتأمّل القائمة القصيرة لجائزة البوكر، التي قوبلت مؤخراً بعاصفة من الانتقاد لمعظم الأعمال التي احتوتها.

ولا نقصد بهذه الإشارة التقليل من هذه الأعمال، إلا أن هذا الهجوم يوضح لنا حقيقة أن للجمهور ذائقته وهو ينتج معاييره الخاصّة التي يعمد إليها في اختياراته للأعمال والتي -بالطبع- تختلف عن ذائقة لجان التحكيم.

بإلقاء نظرة سريعة على الأعمال التي لها رواج على موقع القراءة المشار إليه، تجد أسماء لا يَعتد بها النُّقاد المتخصّصون، ويمكن وفقًا لقوانين النّقد الصّارمة ألّا تُنْسبَ إلى الفن، ويمكن وصفها بأنَّها أعمال للتسلية وليست من الأدب الرّصين، لكنها حظيت على الموقع باهتمام القرّاء وتقييمهم، ومنها ما حاز على الخمس نجمات، وهو أعلى تقدير يُمنح للأعمال.

الشيء اللافت في قراءة التعليقات أو الريفيو على الموقع أن القارئ أيَّا كانت هويته يُقدّم أسبابه الحقيقية لإعطاء هذه النجمات للعمل، أو سلبها منه، فيتحدث عما أعجبه وما لم يُعجبه في العمل، إن على مستوى اللغة أو على مستوى الأسلوب والتقنية وبناء الشخصيات، وكذلك فِكرة الرواية، ويستفيض إن كانت متشابهة مع عمل آخر، وما هي حدود التقاطعات والاختلافات.

وهي المعايير الغائبة في معظم ما تعرضه الصفحات الثقافية، حيث يقتصر عمل كُتّاب العروض النقدية على تمجيد العمل وصاحبه، دون الوقوف على إيجابياته قبل سلبياته، أو القيام بالمقارنة بينه وبين عمل أدبي آخر.

القائمة القصيرة لجائزة البوكر قوبلت بعاصفة من الانتقاد
Thumbnail
15