نقاش على تويتر في السعودية: ليست كل الصور للنشر

توصم الأجيال الحديثة بأنها الأكثر “أنانية”، ويرى بعض علماء النفس أن “هوس التصوير” من العادات الحياتية التي ترسخ انتشار هذا الوصف خاصة مع اتساع رقعة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وارتفاع عدد مستخدمي الهواتف الذكية.
الاثنين 2018/01/22
الأغلبية تعاني من الـ"سيلفيتيس"

الرياض - تصدر هاشتاغ #محاكمة_مصور_حادث_المدينة الترند على تويتر في السعودية الأحد، للمطالبة بمحاكمة مصور مقطع فيديو لحادث مروري بشع على طريق المدينة المنورة. كما احتل الهاشتاغ المركز الثالث عالميا.

وظهر المصور متجولا بين الجرحى والقتلى.

وتحفل مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو تظهر حوادث مرورية وخطفا وتحرشا، دون أن يبادر المارة بوقف الاعتداءات والمساعدة بل يكتفي بعضهم بتوثيق الواقعة بواسطة هاتفه الذكي.

وطالب مغردون الجهات المختصة بتكثيف البحث عن الشخص الذي صور الفيديو ومحاسبته، مطالبين في الوقت نفسه بعقوبات صارمة لمصوري الحوادث المرورية.

وتجدر الإشارة إلى أن مقطع الفيديو لم يحدد أين ومتى وقع الحادث، ولا عدد الضحايا والمصابين، ولم تعلن أي جهة عن تفاصيله.

وينص نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية في السعودية على معاقبة معيدي عرض الرسائل المسيئة على مواقع التواصل الاجتماعي بالسجن مدة لا تزيد عن خمس سنوات وغرامة تصل إلى ثلاثة ملايين ريال أو بالعقوبتين معا.

وأوضح نائب رئيس هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات عوض العساف أن الجرائم المعلوماتيه تحتوى على كل ما يمس النظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة، أو حرمة الحياة الخاصة، وإعداد محتوى الإساءة أو إرساله أو تخزينه عن طريق الشبكة المعلوماتية.

وأعاد مستخدمون ضمن الهاشتاغ الحديث عن “هوس التصوير” الذي أصبح يفسد متعة الحياة وينتهك الحياة الخاصة للآخرين.

وقال خالد آل سعود في وصف المشهد "#محاكمه_مصور_حادث_المدينه المشهد بإختصار شديد: منظر مأساوي للغاية لأجساد بين الحياة والموت، وبينهم متطفل - بلا قلب - يقوم بتصويرهم"!!!

وطالب الكاتب وليد الظفيري في تغريدة قائلا “أيّ شخص يقوم بعرض مُحتوى حسّاس في تويتر، قوموا بالتبليغ عنهُ مباشرة حتى يتم إيقاف الحساب”.

وكتب مغرد “أخي المهلوس (المهووس) بالتصوير شغّل عقلك دقيقة فكر بأهلهم وأحبابهم كيف ردة فعلهم، إنسانيتك تتطلب منك إسعافهم، الألم سيستمر طول العمر لأهاليهم وأحبابهم، والسبب تصويرك”. وأضاف “فكر قليلا”.

بينما ذكر المقطع مغردة بلحظات مشابهة عاشتها من قبل، فقالت “المقطع حرفيا رجعني إلى لحظات أنا كنت أتشهد فيها (عشتها)، وأحدهم يصورني. معاقبة المصور لا جدال فيها؛ إساءة وعذاب”.

وقال مغرد آخر “شفت (رأيت) المقطع، أول شيء التصوير ليس له أي داعي، ثانيا يصور أناسا بحالة صعبة جدا ويتمشى بينهم كأنه بمنتزه أتمنى نشوف عقوبات ضد المصورين”.

93 مليون سيلفي تتم مشاركتها كل يوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي

وقال آخر في نفس السياق “للأموات حرمة انتهكتَها ولذويهم قلوب أنهكتَها وللإنسانية مبادئ نسفتَها، تخيل أن المتوفى هو والدك أو ولدك أو أخوك هل ترضى أن ينطبق عليه تصرفك الأرعن؟ ولتتذكر إن الجزاء من جنس العمل”.

وغرد متفاعل “المصور قام بالمساس بالحياة الخاصة للآخرين من خلال التصوير والنشر وإلحاق الضرر بهم وبأهاليهم، كما تقع عليه المسؤولية الجنائية لقيامه بالفعل السلبي وهو الامتناع عن مساعدتهم وإسعافهم، إضافة لاستهتاره بحرمة الأشخاص ودمائهم وهو ما ينافي تعاليم الدين والأخلاق”.

وتساءل آخر مستغربا “كيف وصل هوس التصوير إلى درجة أنه صار عاديا، ترى شخصا يموت أمامك المهم أنت توثق الحدث!”.

وانتقد معلق “هوس وجنون التصوير أصبحا عادة قبيحة في مجتمعنا، للأسف في كل مكان”.

وقالت الناشطة سعاد الشمري “يا لطيف يا رب رحمتك لم أتمكن من إكمال المقطع وبكيت تذكرت وتخيلت كل معاناة مصابي الحوادث ومن ماتوا خلالها (…)”.

من جانبه اعتبر الإعلامي والكاتب محمد العثيم في تغريدة “التصوير والنشر في المكان العام جائزان ما دامت الصورة موضوع خبر فالمكان العام والخبرية يلغيان الخصوصية.. لكن للوسيلة أخلاقا تستلزم حجب ما يؤذي عين الإنسان أو يشهر بغير البالغين”.

وأصبحت تنتشر مقاطع فيديو وصور تنتهك الحرمات والحياة الخاصة. ومن بين الصور التي أثارت ضجة في الآونة الأخيرة سيلفي لـ“شاب يبتسم وخلفه جده يلفظ أنفاسه الأخيرة”، وأخرى لـ”مسعف انشغل بالتقاط سيلفي في موقع الحادث وترك المصابين ينزفون دماء”.

كما تداول نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يبين قيام سيدة في دولة عربية بتصوير خادمتها الأثيوبية وهي تكاد تسقط والخادمة تستغيث ساعديني لكن دون جدوى وكانت النهاية سقوطها من شرفة الشقة في الطابق الثالث.

وكان موقع “دابشر تايمز” الهندي قد نشر تقريرا قبل شهر، سلط من خلاله الضوء على الأشخاص الذين يعانون من هوس التقاط صور السيلفي.

وأكد الباحثون في جامعة “نوتنغهام ترينت” وكلية “ثياغاراجار” للإدارة في الهند وجود مرض يدعى “هوس التقاط الصور الذاتية”، بل وأنشأوا مقياسا للكشف عن مدى حدة هذا السلوك المرضي.

وكان الباحثون قد أطلقوا على هذه الظاهرة المرضية اسم “سيلفيتيس”، أي هوس السيلفي، وابتكروا معيارا لقياس تطور هذا السلوك المرضي.

وأجريت هذه الدراسة في الهند، نظرا إلى أن أكبر عدد من مستخدمي فيسبوك وأعلى عدد من الوفيات نتيجة لالتقاط صور السيلفي في مواقع خطرة يوجدان في تلك المنطقة.

وأكد البحث أن هناك ثلاثة مستويات لهذا الخلل النفسي. ويتميز المستوى الأول، وهو المرحلة العادية، بالتقاط صور السيلفي ثلاث مرات يوميا على الأقل مع عدم نشرها.

أما المستوى الثاني، وهو المرحلة الحادة، فينطوي على أخذ صور السيلفي ثلاث مرات في اليوم على الأقل ونشرها.

وأخيرا، يوجد المستوى الثالث، وغالبا، لا يتمكن المصاب بهوس التقاط صور السيلفي في مستواه الثالث السيطرة على نفسه، حيث يشعر برغبة جامحة في أخذ صور سيلفي على مدار الساعة ومشاركتها بطرق مختلفة.

وقال مارك غريفيث، أستاذ الإدمان السلوكي في قسم علم النفس في جامعة “نوتنغهام ترينت” إنه، “قبل بضع سنوات، تم تداول بعض القصص في وسائل الإعلام تدّعي وجود حالات من مرض سيلفيتيس الذي صنف على اعتباره اضطرابا عقليا من قبل الجمعية الأميركية للطب النفسي. وقد تمكنّا، في الوقت الراهن، من تأكيد صحة وجود هذه العلة النفسية”.

من جانبه، صرح زميله في الأبحاث جانارثانان بالاكريشنان، قائلا “نأمل أن يتم إجراء المزيد من البحوث لفهم كيفية بروز وتطور هذا الهوس، وما يمكن القيام به لمساعدة الأفراد الأكثر تضررا”.

الملفت أن ظاهرة السيلفي منتشرة أكثر بين الرجال، إذ أن 17 بالمئة منهم يمارسون هذه العادة، بينما لا تتجاوز نسبة ممارستها من النساء 10 بالمئة، وإن كان الدافع لذلك لدى الجنسين مشتركا، وهو الرغبة القوية في الظهور بصور جميلة، وذلك وفقا لدراسة أُعدت في بريطانيا.

وبينت دراسة أخرى في جامعة فلوريدا عام 2016، أن 93 مليون سيلفي تتم مشاركتها كل يوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

19