نقاش في أبعاد تصريحات السنوار

لم يدرك القادة الفلسطينيون أن القضية تتطلب سلوكيات عقلانية تتأسس على تنظيم شعب فلسطين وتعزيز صموده وبناء كياناته وترشيد مقاومته.
الاثنين 2018/10/08
مقايضة سياسية

بدا أن ثمة مفاجأة كبيرة في التصريحات الصحافية التي أدلى بها قائد حركة حماس في غزة يحيى السنوار مؤخراً، والتي قال فيها إن “أي حرب جديدة ليست في مصلحة أحد، وبالتأكيد ليست في مصلحتنا”، ما يعني أن هذه الحركة على خلاف الترويج الجاري منذ زمن عن امتلاكها صواريخ وأسلحة وعن وحدة طائرات إلخ، لا تتوخّى الحرب، ما يكشف مجددا أن تلك الحركة مازالت حتى الآن، أي بعد 11 عاما، لا تعرف ما الذي تريده أو ما الذي يمكن لها أن تصنعه في غزة، أو بسيطرتها على السلطة في هذه المنطقة الصغيرة المكتظة بالسكان والقليلة الموارد.

بيد أن الأهم من ذلك، في تصريحات السنوار، أن هناك مسألتين، أولاهما، قوله “من يريد حقا مواجهة قوة نووية عظمى بمقاليع″؟، والفكرة هنا أن الكثير من قادة حركة حماس والمنتسبين إليها والمتعاطفين معها، طالما تحدثوا بعكس ذلك، في أحاديثهم عن “زلزلة الأرض تحت أقدام إسرائيل”، ومعادلة الردع المتبادل وقوة الإرادة وعن الترسانة الصاروخية التي يمتلكها جناحها العسكري وغير ذلك، والتي تؤكد نأيهم بأنفسهم عن ذلك النمط من التفكير العقلاني في الصراع مع إسرائيل، بتغليبهم النزعة العاطفية، مع مبالغة بالقدرات الذاتية، والتصرف وكأن غزة معزولة عن العالم، وعن المعطيات العربية والإقليمية والدولية التي تمكّن إسرائيل من البقاء والاستمرار والتطور، بغض النظر عن ضعف الشعب الفلسطيني أو قوته، أو عن انقسامه ووحدته والتي لا تسمح له في كل الأحوال بهزيمة إسرائيل على أي مستوى، كما أوضحت التجربة التاريخية.

المسألة الثانية، تتمثل بقول السنوار “التزامي الأول مصلحة شعبي؛ حمايته والدفاع عن حقه في الحرية والاستقلال…هدوء مقابل هدوء وإنهاء للحصار”، ولعل هذا الكلام يفتح على ما تريده حماس بوضوح، أي التهدئة لإنهاء الحصار، والاستقلال أي إنهاء الاحتلال الناجم عن حرب 1967، وهذا الوضع يثير التساؤل، فعلى ماذا اختلفت حماس مع فتح أو مع قيادة منظمة التحرير إذن؟ ثم لماذا أخذت حماس السلطة بالقوة عام 2007، وأدارت غزة بطريقة أحادية، إذا كان هذا ما تريده، لأن ذلك كله كان موجودا وقتها، مع احتمال إنشاء ميناء ومطار حسب اتفاقات أوسلو 1993؟ ثم أين ذهبت شعارات حماس عن المقاومة والتحرير ودحر الاحتلال من الضفة على الأقل؟

عموما ثمة من أحال تصريحات السنوار إلى ضرورة مخاطبة العالم والإسرائيليين، بلغة أخرى مختلفة، سيما أن الصحافية الإيطالية التي أجرت معه اللقاء، تنشر في صحيفة إيطالية وأيضا في صحف أخرى منها يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، ما يعني أن ثمة شبهة في هذا الكلام، حيث تقول حماس لشعبها شيئا وللعالم شيئا آخر، وهي شبهة ضعيفة لأنه لم يعد في هذا العالم فضاء إعلامي مغلق، مع هذا التقدم التكنولوجي في وسائط الاتصال.

لم يدرك القادة الفلسطينيون في غمرة حماسهم العاطفي، أن إسرائيل لديها ترسانة من الأسلحة توازي كل الدول المجاورة وأكثر، وأنها تمتلك سلاحا نوويا، وأنه غير مسموح بهزيمتها على أي مستوى

لذا فعلى الأرجح أن السنوار في كلامه المذكور يقصد ما قاله ويعنيه بالضبط، والفكرة هنا أن القول أو التعبير من موقع السلطة، يتوخى الحفاظ على مصالح تلك الحركة وعلى مكانتها في غزة، وتاليا تقديم نفسه كمحاور أو كمفاوض، في نوع من مقايضة سياسية، على النحو الذي قايضت فيه قيادة منظمة التحرير بذاتها، على مكانتها كممثل للشعب الفلسطيني، وكمفاوض أوحد، بذهابها إلى اتفاق أوسلو السري عام 1993، كبديل عن الوفد المفاوض الذي كان يترأسه وقتها حيدر عبدالشافي، والذي كان يضم شخصيات من الأراضي الفلسطينية المحتلة (الضفة والقطاع)، رغم أن هذا الوفد كان يصرح، نهارا وليلا، أن مرجعيته هي منظمة التحرير وعلى رأسها ياسر عرفات.

ثمة سؤال ينبغي طرحه هنا، بخصوص العلاقات الداخلية الفلسطينية، وما يؤثر فيها سلبا، فلماذا عندما يقول قائد ما في حماس ذات ما يقوله قائد ما في فتح، يتم استقباله في الأوساط الحمساوية بنوع من الصمت أو الرضا، في أغلب الأحوال، والعكس صحيح. وبمعنى آخر فإن أي قول سياسي، سواء قاله قائد من هذا الفصيل أو ذاك، ربما من الأجدى مناقشته ونقده، فكرة مقابل فكرة، بطريقة عقلانية ومسؤولة، انطلاقا من مصلحة الشعب الفلسطيني وليس انطلاقا من مصلحة هذا الفصيل أو ذاك.

لم تتأسس التجربة الوطنية الفلسطينية على استراتيجية عقلانية، لا سياسية ولا عسكرية، بل انبنت على مراهنات خاطئة على الخارج، وعلى مبالغة مضرة بإمكانيات الشعب الفلسطيني، ولم تأخذ في اعتبارها أن حرب الشعب طويلة الأمد أو حرب العصابات تختلف عن كل ما جرى، وأن الشعب الفلسطيني خاضع لسيادات ولأوضاع قانونية مختلفة لا يمتلك إمكانياتها، لا في قاعدة آمنة ولا في دولة حاضنة، ولا في إمكانيات مناسبة، ولا في وضع دولي أو عربي موات.

إضافة إلى ذلك فإن الممارسة الفلسطينية لفكرة الكفاح المسلح، كانت متخلفة وغير مدروسة، مع قواعد ثابتة ومدفعية ودبابات (في لبنان) وعمليات تفجيرية وحرب صاروخية وطائرات ورقية حارقة (في فلسطين)، ما أدى إلى تدفيع الفلسطينيين في كل مكان ثمنا باهظا، بحيث باتت إسرائيل تستنزفهم وتضعفهم وليس العكس، حسب ما تفترض حرب العصابات أو حرب الشعب طويلة الأمد، المتخيلة أو المرسومة في بطون الكتب.

لم يدرك القادة الفلسطينيون في غمرة حماسهم العاطفي، أن إسرائيل لديها ترسانة من الأسلحة توازي كل الدول المجاورة وأكثر، وأنها تمتلك سلاحا نوويا، وأنه غير مسموح بهزيمتها على أي مستوى، بسبب المعطيات العربية والدولية القائمة، وأن هزيمة هذه الدولة تتطلب واقعا عربيا ودوليا مختلفا.

كما لم يدركوا أن الأمر لا يتطلب الاستكانة وإنما يتطلب سلوكيات وطنية عقلانية تتأسس على تنظيم شعب فلسطين، وتعزيز صموده في أرضه وبناء كياناته وترشيد مقاومته، والتركيز على استعادة حقوقه الفردية والجماعية، بانتظار بيئات أخرى مواتية، وهذا ما حاول السنوار قوله، وما قاله غيره سابقا، بغض النظر عن توظيف ذلك لتعزيز سلطة هذا الفصيل أو ذاك، رغم أن هذه الأقوال جاءت بعد أن دفع الفلسطينيون ثمن هذه التجربة باهظا، طوال أكثر من نصف قرن، من أرواحهم وممتلكاتهم واستقرارهم ومن قدراتهم؛ لعله يمكن تعلم شيء من كل ذلك.

9