نقاش في أزمة الدولة العربية

الجمعة 2014/07/25

بقي مفهوم الدولة العربية وعلى مدار التاريخ، من أكثر المفاهيم إثارة للجدل والنقاش بسبب طابعه الإشكالي، واكتفى بعض المثقفين بإطلاق توصيفات شكلية دون التطرق لماهية وجوهر الدولة العربية، والبعض الآخر غلب على تحليله شيء من الاختزالية.

مهما تعددت الاجتهادات والقراءات، يبقى ثابت وحيد يميز هذه الدولة هو أن من يتحكم بمفاصلها الأساسية زمرة أو طغمة تحتكر الثروة والسلطة وتغلف هذا الاحتكار بأشكال أيديولوجية متعددة. وإنكار الطابع الطبقي للدولة ليس بجديد.

إذا عدنا إلى الوراء واعتمدنا توصيف ابن خلدون للدولة، بأنها تعتمد على العصبية في حكمها وإدارتها لشؤون البلاد والعباد، يبقى هذا التوصيف ناقصا لأنه، يفتقد للحلقة الأساسية التي التقطها المفكر اللبناني مهدي عامل، وهي الطابع الطبقي الثابت للدولة، وثباته يتأتى من نمط الإنتاج، الذي تتحدد فيه الدولة كدولة استبدادية، وما كان بمقدور ابن خلدون-حسب مهدي عامل- أن يفسره لأنه يفتقد الأداة النظرية لتفسيره، ويجوز القول في بعض الحالات: إن للدولة الاستبدادية طابعاً إسلامياً، ليس سوى الطابع الذي يخفي الطابع الطبقي له.

يقرأ مهدي الدولة بشكل صائب، وقد اعتمد في نقده لابن خلدون على ماركس، سيما وأن ماركس اعتبر أن شكل تطور بلداننا يتسم بالركود والدائرية. ويعود السبب في ذلك إلى استبداد الدولة وحيازتها للملكية، بمعنى أن ما يسمى “دولة” هي المالك الحقيقي وتحوز على الفائض العيني من خلال الهيمنة الأيديولوجية، وركيزتها الأساسية القبيلة والمشاعة. هذا الركود لم يسمح بظهور تمايز طبقي واضح، كما حصل في أوروبا بحيث أن الدولة ولدت من جرّاء تناحرات طبقية حادة.

لا يمكن ونحن نستعرض بعض الآراء التي تتناول الدولة، أن نتجاوز تحليل مهدي عامل للدولة اللبنانية التي لا تختلف عن نظيراتها إلا باستفحال الطائفية والتلاعب بها، وتوظيفها كعلاقة سياسية تخدم تجدد السيطرة السياسية للطبقة المسيطرة.

والمعروف أن من يهيمن على الدولة هي بورجوازية متحالفة مع الإقطاع السياسي يتلقى ريعا لقاء خدماته السياسية في ضبط حركة الصراع بحيث أنه يؤمن للنظام ديمومة التجدد. وتحتل هذه الإقطاعات نفوذا لها في الدولة تسخّرها لخدمة مصالحها الفئوية والعائلية، وبذلك يتم إعادة إنتاج الطوائف، وتتحول الدولة إلى مزرعة يتعطل دورها السياسي، فتصبح غير قادرة على تأمين وجودها كدولة بورجوازية، إلا بوجودها كدولة طائفية.

أما في سوريا، فالدولة قائمة بشكل أو بآخر على العصبوية، التي تغلفها أيديولوجية مُفوّتة تاريخيا، وظيفتها الأساسية حجب الأنظار عن احتكارها للثروة. يمكن أن نطلق على هذا الشكل السائد للدولة، الدولة-العائلة التي لا تعدو كونها واجهة لتحكم زمرة مافياوية، وتعتبر نفسها ضامنة للاستقرار وعامل توحيد للبلاد، ولكن ما إن انتفض الشعب وثار حتى تفككت البنية وظهرت الأمراض، وهذا يدلل على الطابع الهش للدولة والمجتمع.

هذه الطغمة، لم تتولَّ مقاليد السلطة على خلفية ثورة سياسية فصلت الدين عن الدولة، وإنما عبر انقلابات عسكرية، قام بها ضباط ينحدرون من الأرياف، استطاعوا أن يراكموا ثروات طائلة بسبب احتكارهم للثروة وللسلطة، وتحولوا-فيما بعد- إلى بورجوازية مالية ريعية، أو كما وصفها جلبير أشقر بأنها “نيو ميراثية”، وظفت الطائفية كي تضمن تماسك وولاء النواة الصلبة من حولها، من أجل أن تدوم في السلطة، وما أكثر المثقفين اللذين التفّوا على الطابع الطبقي للسلطة واكتفوا بإطلاق توصيفات من مثل أنها مملوكية-سلطانية-دولة قهر-متعالية وأبوية، وأنها تلجأ إلى الآداب السلطانية كي تنشئ سياجا أيديولوجيا يُمكنّها من الاستمرار.

على صحة هذه التوصيفات التي جاءت على لسان كمال عبد اللطيف، بيد أنه يعوزها العامل الأساسي وهو وجود زمرة تشفط الفائض مستعينة بأيديولوجيا مضللة، وظيفتها حجب الجمهور عن جوهر القضية، أي احتكار السلطة والثروة.

ما نحاول تأكيده والبرهنة عليه هو أنه لا يوجد استبداد من أجل الاستبداد، وإنما هناك مافيا استفادت من بيروقراطية السلطة وراكمت ثروات طائلة. وهذه البيروقراطية لا تشبه بأي حال من الأحوال البيروقراطية التي تحدث عنها ماكس فيبر، واعتبرها جوهر الدولة العصرية التي تتجسد من خلالها العقلانية الحديثة التي ارتبطت بالتحول التاريخي إلى الرأسمالية.

إن عقلانية الدولة وأخلاقيتها مرتبطة بالتغيير الجذري الذي تنجز مهامه ثورات ديمقراطية، وليس إصلاحات فوقية ضخّمت من جهاز الدولة، وتحولت إلى دولة أمنية وبوليسية بامتياز، وانفصلت عن المجتمع.

نوجز هنا، لا معنى لأي كلام عن بناء دولة ديمقراطية إذا لم يتم التخلص من الزمرة المافياوية، لأن واقع الدولة العربية اليوم ليس سوى تعبير عن مصالح الشريحة المهيمنة، وهذه الهيمنة ضرورية من أجل تماسك هذه الطبقة المسيطرة. هذا التماسك يتطلب القمع والفاشية، وعندما تواجه الشعوب جهاز الدولة لا تواجهه بوصفه جهازا، بل بوصفه الأداة السياسية للطبقة المسيطرة. والسؤال الذي يطرح نفسه، هل من دولة مستقلة ومحايدة؟

أكاد أجزم بعدم وجود مثل تلك الدولة حتى في الغرب، ولربما تكون محايدة دينيا وليس طبقيا وتتدخل لصالح الأغنياء كما حصل عشية الأزمة المالية التي عصفت بأوروبا، وحينها تدخلت لصالح المضاربين الماليين. لا توجد دولة خارج الطبقات، والدولة المستقلة هي وهم من الأوهام الليبيرالية، حيث تنفصل الدولة عن المجتمع وتمنح الحرية لأصحاب الملكية فقط.

صفوة القول، إن بناء الدولة الممثلة للكل الاجتماعي، هو جزء من عملية ثورية طويلة عريضة ونتاج لها، وما زلنا في المرحلة الأولى من هذه العملية التي تتسم بهيمنة الثورات المضادة، وإعادة إنتاج الاستبداد، ويعاد معه إنتاج التوجه الرأسمالي للدولة.


كاتبة سورية

8