نقاش مغربي حول دستور وطني للثقافة

الجمعة 2014/01/31
لقاء تشاوري حول السياسات الثقافية في المغرب

الدار البيضاء- أعلن المثقفون في المغرب عن تأسيس “المجموعة الوطنية للسياسات الثقافية في المغرب”. وقد تمّ إطلاق هذه المبادرة خلال الجلسة الختامية لليوم الدراسي الذي احتضنته مدينة الدار البيضاء، نهاية الأسبوع الماضي، في موضوع “السياسات الثقافية بالمغرب”، الذي نظمه المركز المغربي للسياسات الثقافية، بدعم من مؤسسة “المورد الثقافي”، التي يوجد مقرها في القاهرة، وبشراكة مع جامعة الحسن الثاني بمدينة الدار البيضاء، وكلية آداب بنمسيك، بحضور مئات من الفعاليات والهيئات الثقافية والمدنية.

ضرب المجتمعون في هذا اللقاء التاريخي، موعدا جديدا، في أفق شهر من اليوم، بهدف مواصلة التشاور والحوار حول السياسات الثقافية بالمغرب، في انتظار صياغة ميثاق للثقافة المغربية، وسياسة ثقافية مكتوبة، أي تحرير “عقد ثقافي” في المغرب، يلزم كل المتدخلين مثقفين ودولة ومجتمعا.


الدستور الثقافي


توافد مئات من المثقفين وممثلي المؤسسات والجمعيات الثقافية والمدنية إلى “الخزانة الوسائطية” بمدينة الدار البيضاء المغربية، يوم 25 يناير الجاري، وهم على يقين من أنهم لن يعثروا، في هذه المكتبة الوسائطية، ولا في غيرها، على أية وثيقة تتعلق بالسياسة الثقافية في المغرب، أو في باقي البلدان العربية.

هذا ما أكدته مديرة مؤسسة “المورد الثقافي”، بسمة الحسيني، التي حضرت إلى المغرب، وهي تستثني فلسطين، في كلمتها الافتتاحية، وتلك قمة المفارقة! فالقطر العربي الوحيد الذي يمتلك سياسة ثقافية مكتوبة لا يزال يبحث عن الاعتراف بدولة وعاصمة إلى اليوم.

أما باقي الدول العربية، فلا تمتلك، وإلى اليوم، أثرا لمدونة ثقافية، في صيغة نص قانوني حول السياسة الثقافية الموجودة أو المتبعة أو المأمولة، على الأقل، وكل ما هنالك أعراف ثقافية جرت بها العادة، بسبب تراكم التجربة على مرّ السنين، في غياب مطلق لمنطق التدوين والتعاقد المكتوب، من خلال المراسيم والقوانين.
ينص الدستور المغربي في ديباجته على تشبث الشعب بقيم الانفتاح والاعتدال والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء

وحتى إذا كانت هنالك قوانين ونصوص تنظيمية تهم السياسة الثقافية في المغرب، كما في غيره من البلدان العربية، أوضحت بسمة الحسيني أن الأمر لا يعدو إلاّ أن يكون سياسة قطاعية، صادرة عن وزارة الثقافة، وتنظم عملها، فقط، أو أن تكون دراسة صادرة عن مؤسسة أو باحث أو باحثة في السياسات الثقافية لا غير. وكما أيقنت مديرة المورد من أن مثقفي كل بلد هم القادرون على صوغ سياسته الثقافية، ووضع خريطة الطريق الخاصة به، وأن دور المؤسسة التي ترأسها، وهي “المورد الثقافي”، لا يعدو إلاّ أن يكون دور الداعم، و”الرفيق في الطريق”، على حدّ وصفها، فقد رحبت الحسيني بأهمية تبادل الأسئلة في ما بين مثقفي العالم العربي، بغاية تلمس الإجابات بين البلدان المختلفة، وهي تأمل في أن يكون لقاء البيضاء خطوة لتأسيس “المجموعة الوطنية للسياسات الثقافية في المغرب”، وهكذا كان.

ورغم تباعد اهتمامات وانشغالات المشاركين الإبداعية والأدبية والفكرية، فقد كان الدستور المغربي الجديد منطلق تدخلات وتساؤلات المشاركين ومساهماتهم في لقاء الدار البيضاء، وذلك منذ ديباجة الدستور، التي عرّفت الهوية المغربية تعريفا ثقافيا، يحكمه التعدّد والتنوّع، بين المكونات العربية والإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية، و”الغنية بروافدها الأفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية”، يقول الدستور المغربي، وهو ينص في ديباجته على “تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء”.

وقد اتفق المتدخلون على أن ترسيخ “الحق في الثقافة”، لا يمكنه إلا أن يرقى بهذا الحق إلى مستوى النص القانوني، من خلال التنزيل السليم للمبادئ العامة للدستور، عبر وضع وتشريع سياسة ثقافية مكتوبة، تعرض على البرلمان، لكي يصادق عليها، وتلتزم الحكومة بتفعيلها، بما أنها سلطة تنفيذية، في أفق صياغة “دستور للثقافة المغربية”. هذا، وتوقفت الكثير من التدخلات عند “المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، كما نص عليه الدستور، تكون مهمته حماية وتنمية اللغات العربية والأمازيغية، ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية.

هذا، وقد أجمع المشاركون في هذا اللقاء حول السياسات الثقافية في المغرب على ما أسموه الطبيعة “العرضانية” للثقافة، انطلاقا من أن الثقافة تتقاطع في ما بين قطاعات الثقافة والسياحة والصناعة التقليدية والتعليم والإعلام، والبلديات المنتخبة والقطاع الخاص، ولا تعني وزارة الثقافة وحدها، مع حرص عدد من المتدخلين على أهمية الرفع من ميزانية وزارة الثقافة المغربية.

العلوي: المبادرة الجزائرية أطلقها مثقفون مستقلون

لكن كثيرين منهم حرصوا على ضرورة حضور الثقافة في وسائل الإعلام العمومية والخاصة، وعلى تقاطع الثقافة مع التعليم، وأهمية حضور الثقافة المغربية في المناهج الدراسية، وكذا تقاطع الثقافة مع السياحة والصناعات التقليدية، وحتى الاقتصاد الرقمي، وقد أصبحت للمغرب وزارة للاقتصاد الرقمي، مع التعديل الحكومي الأخير. من هنا، فإن كل سياسة صادرة عن وزارة الثقافة المغربية تبقى سياسة قطاعية، ليس لها أن تمثل الثقافة المغربية كلها، وهي التي تعني أكثر من وزارة، وتعني القطاع العام كما القطاع الخاص، وكل المنتخبين وعموم الفاعلين السياسيين والمدنيين في المغرب، إلى جانب المثقف والأكاديمي والباحث والمبدع والمتلقي المواطن، على أساس أن الثقافة حق من حقوق الإنسان، مضمون للجميع، سواء بسواء.


تجارب مجاورة


إلى جانب الحضور المصري في لقاء الدار البيضاء، حضر كل من عبدالرحمن أحمد سالم، من موريطانيا، وهو رئيس المجلس التنفيذي لمؤسسة “المورد الثقافي”، ليحدثنا عن تجربة موريطانيا في الاشتغال على ملف “السياسات الثقافية”، مشيرا في حديثه لـ”العرب” إلى أن النظرة الشمولية لمؤسسة “المورد”، أخذا بعين الاعتبار خصوصيات كل بلد، هي أهمّ عوامل النجاح، على أساس أن الإضافة التي حققها “المورد” هي أنه “فتح آفاقا للتعاون مع مبادرات مماثلة، كما يحدث اليوم في المغرب، حيث تعرفنا على نجاحات وإخفاقات التجربة، من بلد إلى آخر”. وقد شكل “المورد” في نظر عبدالرحمن أحمد سالم “فضاء للتبادل والتلاقي بين كل المكونات الثقافية في العالم العربي”، على حدّ قوله، داعيا إلى ضرورة إقامة تعاون على مستويين، تعاون مغربي موريطاني، بخصوص البحث في السياسات الثقافية والاشتغال عليها، في أفق تعاون مغاربي، يضمّ موريطانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا. وعن الجانب الجزائري، حضرت اللقاء الشاعرة والصحافية حبيبة العلوي، التي سردت، في لقاء خاص مع “العرب” مسارات التجربة الجزائرية في الاشتغال على سياسة ثقافية، “منذ سنة 2011، عندما قمنا بتوجيه الدعوة للفاعلين الثقافيين المستقلين، من أجل التمكين للثقافة المستقلة في الجزائر، بدل المؤسسة الرسمية”. وكشفت حبيبة العلوي أن المبادرة الجزائرية إنما “أطلقها مثقفون مستقلون في الجزائر، من جامعيين وشعراء وفنانين، اجتمعوا واشتغلوا من أجل صياغة وثيقة مكتوبة تتعلق بالسياسة الثقافية في الجزائر، لم يظهر لها أثر منذ استقلال الجزائر”.


المثال المغربي

القادري: لحظة تأمل في أفق صوغ سياسة ثقافية


ما بين التجربتين الجزائرية والموريطانية، تنطلق التجربة المغربية نحو صوغ سياسة ثقافية مكتوبة، تستمد خصوصياتها من خصوصية التجربة المغربية، على المستويات السياسية والثقافية، في انفتاحها على الأفق المتوسطي، على المستويين العربي والأوروبي. هذا ما يؤكده منسق المجموعة الوطنية للسياسات الثقافية في المغرب، الباحث والشاعر مراد القادري، معلنا في لقاء مع “العرب” أن التجربة المغربية إنما “تنخرط ضمن دينامية انطلقت بعد المؤتمر الأول من نوعه، الذي نظمته مؤسسة “المورد الثقافي” حول السياسات الثقافية، في العاصمة اللبنانية بيروت، صيف 2010".

وبعد هذا المؤتمر، يضيف القادري، “سوف تتشكل مجموعات وطنية عملت على صياغة مسودات حول السياسات الثقافية، مع تسجيل التفاوت من قطر إلى قطر، تبعا للسياقات السياسية والاجتماعية والثقافية..”. أما ما يميز التجربة المغربية، بحسب القادري دائما، فهو كونها قد “تهيكلت في صيغة جمعية قانونية، هي الجمعية المغربية للسياسات الثقافية، التي أحدثت كبنية قانونية سنة 2011، وقامت بالعديد من المبادرات، وتحوّلت إلى مركز لجمع المعطيات، من خلال موقع تفاعلي حول النسيج الثقافي المغربي، يضمّ مختلف التشريعات حول الثقافة في المغرب، وجردا لكل المؤسسات والفعاليات الثقافية”.

وعن الانتظارات المعلقة على لقاء الدار البيضاء، يخلص مراد القادري إلى أنه “لحظة تأمّل جماعي في أفق صوغ سياسة ثقافية مغربية، بعد الوقوف عند مرتكزاتها وملامحها العامة والخاصة، والاشتغال عليها بمعية مختلف المتدخلين، في مختلف القطاعات، من وزارات ومؤسسات منتخبة وقطاع خاص، وكل من يتقاطع مع الثقافة”.

14