نقاط علّام الروائيّ

يضع بعض الروائيّين نقاطهم بطريقة تسلسليّة تعكس رؤيتهم إلى الأولويّات وترتيبها المفترض لديهم، وبؤر التركيز والتصدير التي يعملون ويركّزون عليها أكثر من غيرها.
الاثنين 2018/12/10
متاهة الارتجال (لوحة: ريم يسوف)

حين يخطط المسافر لرحلته فإنه يضع نقاط العلّام التي سيستعين بها، والتي تعينه على إتمام رحلته بالطريقة التي تكفل له راحة وأمانا وسعادة.. تكون تلك النقاط وسائله المساعدة لرسم الخارطة التي ينشد السياحة فيها، أو ربط خطوطها بحيث تكون له خارطته الخاصّة.

إذا جاز لنا التشبيه، فإنّ الروائي هو المسافر نفسه لكن في عالم مختلف، ويحتاج مثله إلى نقاط علّام رئيسة على درب صياغة عمله الروائيّ، بحيث يدرك مدى خطورة الرحلة بين شرارة البداية وشهقة الختام، ويتحرّك وفق مخطّط يضعه لنفسه، أو على الأقلّ الخطوط الرئيسة له، كي لا يتوه في رحلته الروائيّة.

الكتابة الروائية هي نزهات في عالم السرد، بحسب تعبير الإيطالي أمبرتو إيكو، عالم الروائيّ هو عالم الخرائط المتخيّلة أو حتّى تلك التي يرسمها لنفسه، ولربّما حين اختار عبدالرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا لروايتهما المشتركة عنوان “عالم بلا خرائط” كانا يحيلان إلى عالم روائيّ متعدّد النقاط والخرائط، ليكون توجيه الأنظار إلى تفاصيل الخارطة الروائيّة بالرغم من التوجيه بأنّه “عالم بلا خرائط”.

يضع بعض الروائيّين نقاطهم بطريقة تسلسليّة تعكس رؤيتهم إلى الأولويّات وترتيبها المفترض لديهم، وبؤر التركيز والتصدير التي يعملون ويركّزون عليها أكثر من غيرها، بحيث تكون تلك نقاط علّامهم التي يعودون للاستئناس بها.

يركّز بعضهم على جمع أكبر عدد ممكن من الحكايات وتسجيلها بشتّى السبل، صوتيا وكتابيا وسماعيا، ليستعين بها في بناء عالمه المتخيّل، تكون حكايات الآخرين وملاحظاتهم وأفكارهم ورؤاهم وذكرياتهم من وسائله المساعدة لبناء روايته، وهنا يتداخل مع الصحافي الاستقصائيّ في تتبّع خيوط قصصه ليصوغها بطريقته وأسلوبه.

هناك آخرون يضعون لأنفسهم نقاط علّام مختلفة، لا تكون الحكايات هي الركائز الأساسيّة بقدر ما تكون رديفة للمحاور الفكرية التي يعملون على تقديم مقترحاتهم وطروحاتهم لها. مثلا يضعون القضايا التي تهمّهم في رواياتهم لتكون مفاتيحهم لتشبيك الحكايات واختلاقها، وتلبيس أفكارهم للشخصيات التي يختلقونها، ويدورون في فصولهم حول أفكارهم الموضوعة مسبقا، لا تلك التي تسرّبها لهم الحكايات.

كما أنّ هناك روائيّين يفضّلون التحلّي بروح المغامرة والمجازفة، يقتحمون غمار رحلتهم الروائيّة من دون تخطيط مسبق، يسعون إلى التجريب والاكتشاف، يفسحون المجال للأفكار والحكايات كي تتناسل وتكمل بعضها بعضا، من دون أي نقاط علّام يجبرون أنفسهم على العودة إليها، أو التقيّد بها.. وهذا النوع قد يبدع نصوصا مميّزة ساحرة باعتباره يعتمد على عنصري المفاجأة والاكتشاف، وقد يخيب ظنّهم بحيث يتشتّتون ويبحثون عن خيط ينقذهم من متاهة الارتجال..

15