نقد الأنتلجنسيا الثقافية الوسيطة في الفكر الأفريقي

ما بعد الكولونيالية ليست شرطا يمس كل العالم وإنما هي خاصية للبلدان التي تعاني من كدمات الظاهرة الكولونيالية.
الجمعة 2019/06/28
تفنيد الرؤية الغربية لثقافات أفريقيا

تتضمن الأنطولوجيات الأدبية والفكرية الصادرة ببريطانيا وأميركا في السنوات الأخيرة مادة مهمة من خلالها يمكن لنا أن نعاين أهم المحاور التي ينصب عليها النقاش الفكري الأفريقي، وفي المقدمة محور مشكلات الأنتلجنسيا الأفريقية وما يتصل بعدم فك ارتباطها بعمليات استنساخ واستيراد المفاهيم والمصطلحات وأشكال التعبير من الثقافة الغربية. إلى جانب هذا هناك محور آخر له أهمية كبيرة ويتعلق بنقد النقاد الأفارقة للممارسات النقدية الغربية التي لم تتخلص بعد من مركزيتها المغلقة ومن تمثلات تراث الكولونيالية التعسفية.

وفي هذا السياق سأركز على تحليلات مفكر نقدي أفريقي من غانا وهو كوام أنثوني أبياح الذي بلور نقده لمشكلات الأنتلجنسيا الأفريقية في سلسلة كتبه المكرسة لقضايا الهوية والثقافة منها كتاب “في منزل والدي: أفريقيا في فلسفة الثقافة”. في هذا الكتاب بالذات خصص كوام أبياح قسما مهما لنقد تبعية الأنتلجنسيا المثقفة الأفريقية للغرب، كما سأتناول بالتحليل مساهمة الروائي والناقد الثقافي النيجيري البارز شينوا أشيبي وخاصة نقده لمفهوم الكونية الثقافية أو الأدبية. ففي تحليله لكل من مفهوم ما بعد الكولونيالية وما بعد الحداثية يقدم الناقد أبياح توضيحات تخص ضرورة الانتباه إلى التمييز بين ما بعد الكولونيالية وما بعد الحداثية لأنهما مفهومان مختلفان كل الاختلاف.

وللتدقيق في هذا التمايز بينهما ينبغي التوضيح أن الأوساط النقدية المتخصصة في الدراسات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية ترى أن هذا المفهوم الأخير لا يعني طور ما بعد الاستقلال، أو بعد الاستعمار ويرى كل من النقاد بيل أشكروفت وغاريث غريفيث وهيلين تفين أن القول بنهاية العملية الكولونيالية قول خاطئ تماما، ثم يؤكدون “أن ما بعد الكولونيالية تبدأ أولا وبالأحرى من لحظة الاتصال الكولونيالي”.

وحسب هؤلاء النقاد الثلاثة فإن التمييز بين ما بعد الكولونيالية وبين ما بعد الحداثوية سيساهم دون شك في إدراك حقائق مهمة وفي مقدمتها أنه “من الصعب ومن غير المحتمل أن نجد أننا نعيش في عصر ما بعد كولونيالي لأن لاصقة ‘ما بعد’ في ما بعد الكولونيالي ليست نفس الشيء مع اللاصقة في ما بعد الحداثوية”.

لقد تمكنت المناقشات الفكرية المعاصرة من تحديد مدلولات مصطلح ما بعد الحداثوية، وفي هذا الشأن تعتبر توضيحات المفكر اليساري الأميركي فريدريك جميسون من بين أكثر المساهمات المميزة حيث أبرز فيها في كتاب ملفت للنظر يحمل عنوان “الحداثوية كمنطق للرأسمالية المتأخرة” أن ما بعد الحداثـوية لا تعني المرحلة، أو الشرط التاريخي الذي ينطبق على مفهوم ما بعد الحداثة وإنما تعني منطق الثقافة الرأسمالية المسيطرة في عصرنا هذا على العالم بأسره.

وهكذا يتضح أن ما بعد الكولونيالية ليست شرطا يمس كل العالم وإنما هي خاصية للبلدان التي عانت ولا تزال تعاني من كدمات الظاهرة الكولونيالية التي لم يتم فك الارتباط معها كلية بنسب متفاوتة.

وفي هذا الإطار يلاحظ النقاد أشكروفت وغاريث غريفيث وهيلين تفين أن الناقد الغاني الأصل كوام أبياح منتبه تماما إلى هذا الفرق النوعي الفاصل بين لاصقة “ما بعد” في ما بعد الكولونيالية  ولاصقة “ما بعد” في ما بعد الحداثوية. فالناقد أبياح يرى من جهة أخرى أن ما بعد الكولونيالية هي حالة ما يمكن لنا أن نسميها دون سخاء بالأنتلجنسيا الأفريقية الكومبرادورية ويعني بذلك “مجموعة صغيرة نسبيا من الكتاب والمفكرين ذوي الأسلوب الغربي والمدربة من طرف الغرب والتي تقوم بدور الوسيط في مهمة البضائع الثقافية للعالم الرأسمالي في البلدان الأطراف”، أي في بلدان أفريقيا.

في تقديري فإن نقد كوام أنثوني أبياح شديد القسوة لأن هناك مفكرين ومبدعين أفارقة ليسوا مجرد وسطاء كومبرادوريين وإنما هم رموز النضال الثقافي الأفريقي في الغرب وفي بلدانهم أيضا وجراء هذا فإنه ينبغي دراسة الحالات الفردية بعيدا عن التعميم المطلق. لا أحد يتفق مع الناقد أبياح أن كل عناصر الثقافة الأفريقية المعاصرة هي محاكاة أو ترجمة لأشكال ومضامين الثقافة الرأسمالية الغربية علما أن الدارس يمكن أن يسلم بوجود البعض من قسمات الفولكلور الأفريقي الذي يحول إلى أداة تكرس صورا من بدائية الإنسان الأفريقي أمام الإثنوغرافيين والأنثربولوجيين وكذلك السواح الغربيين.

لا شك أن شينوا أشيبي الشهير بروايته “الأشياء تتداعى” وبمواقفه الصارمة ضد إحلال لغة الاستعمار التقليدي والحديث محل اللغات الأفريقية قد أدرك أن النقاد الغربيين المصابين بلوثة المركزية الأوروبية/الغربية يحاولون باستمرار النظر بعين الاحتقار إلى نصوص الأدب الأفريقي ويجردونها من صفة الكونية التي يسندونها دوما إلى الآداب الغربية.

في هذا السياق يقدم شينوا أشيبي نقدا لناقدين غربيين وهما إيريس أندرسكي وتشارلز لارسون بسبب رفضهما أن تكون النصوص الروائية الأفريقية، منها نصوص الروائي أشيبي نفسه، تنطوي على ثراء البعد العالمي المشتق من خصوصيات تجارب المجتمعات الأفريقية وثقافاتها.

14