نقد التقدم ليس رجعيا بالضرورة

المجتمعات المعاصرة ممزقة بين نعيم التكنولوجيا وجحيمها.
الأحد 2020/11/15
أينشتاين رفض استعمال الذرة

تشهد فرنسا هذه الأيام جدلا واسعا شمل الوسطين السياسي والثقافي، مداره في الظاهر الجيل الخامس من الإنترنت، وباطنه سعي السلطة إلى شيطنة الخُضر بعد بروزهم في الانتخابات البلدية الأخيرة، واتهامهم بالرجعية ومعاداة التقدم. ولكن هذه المعاداة التي يتهم بها أنصار الطبيعة ليست جديدة بل لها جذور عميقة في التاريخ.

لا يكاد يمرّ يوم دون أن تطالعنا وسائل الإعلام بمواقف مثقفين وسياسيين تصف المدافعين عن البيئة بـ”الرعب الأخضر” و”الإيكولوجيا العقابية” و”الخمير الخضر”، وأنّهم كالدّلاّع (البطّيخ الصّيفي) خضرٌ من الخارج، حمرٌ من الداخل.

بل إن الرئيس ماكرون نفسه صرّح أن الإيكولوجيين يفضّلون عيشة “الأميش” (وهي طائفة مسيحية منغلقة ترفض التقدم وتعيش عيشة بدائية) والعودة إلى المصباح الزيتي، على النمط التقدمي الفرنسي الذي يمثله الأنوار والابتكار والتجديد.

ولئن ذهب بعض المحللين إلى تفسير ذلك بخشية ماكرون من منافس جدّي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، أي عام 2022، فإن بعضهم الآخر أوضح أن دوافع هذه الهجمة على الخضر أعمق من ذلك، فالماسكون بالسلطة والطامعون فيها من حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف يدركون أن “التحول الإيكولوجي لا يمكن أن يكون جزئيا، بل سيكون تغييرا حقيقيا في النمط الحضاري والاقتصادي” حسب المفكر دومينيك بورغ، لأن الإيكولوجيا مشروع شامل يَطرح في كل المجالات أسئلةَ الإنتاج والمنفعة الاجتماعية، وعلاقة أفراد المجتمع بالكائن الحيّ والأرض والمنظومات البيئية، وهي بديل للسردية الإنتاجوية والتقدمية التي انبنت عليها المنظومات الليبرالية والاشتراكية والشيوعية.

إدانة التقدم  

بصرف النظر عن الدوافع السياسية، وهي واردة، فإن الجدل يدور أساسا حول الموقف من التقدم، وهو جدل قديم يرجع عهده إلى بداية الثورة الصناعية، حين تزعّم نيكولا دو كوندورسي (1743 – 1794) فلسفة التقدم، التي تحولت إلى تقدميةٍ، ثم تحديثٍ مناصرٍ للتِّقَنية، وقد عَدّ أنصارها كل تردد أمام أيّ ابتكار تكنولوجي نوعا من الحنين إلى الماضي، وكل تساؤل عن جدواه وآثاره نوعا من الرّجعية.

ولكن ذلك لم يمنع بعض المفكرين المستنيرين من مساءلة التقدم، لاسيما بعد مآسي القرن العشرين وكوارث القرن الحالي، فقد أدان هوركهايمر وأدورنو مثلا هذا التقدم الذي يفرّق بين البشر، ودعا أندري غورز إلى ضرورة القطع مع أيديولوجيا التنمية، وانتقد لويس مامفورد أسطورة الآلة، مثلما انتقد جاك إيلّول المنظومة التقنية، واقترح غيرهم تصوّر علاقة مغايرة بالعالم للصمود أمام تسارع الزمن الذي يسم عصرنا كما فعل هارتموت روزا، أو إحداث تفرّع جانبي لتجنب اقتصاد التمزق الرقمي الذي يكيّف أهواءنا وانفعالاتنا على غرار برنار ستيغلر.

أولئك المنتقدون أطلق عليهم المفكر جان بيير دوبوي في السبعينات مصطلح “نقاد التكنو” مبيّنا أن غايتهم ليست نقد التقنيات في حدّ ذاتها، لأن الأدوات التي توفّرها هي جزء من الأنشطة البشرية وحتى الحيوانية، بل نقد آثارها والخطابات التي ترافقها، فانحراف المدينة يبدأ بتحريف الكَلِم، على رأي أفلاطون.

وظاهرة نقد التكنولوجيا ليست جديدة، إذ يرجع عهدها إلى بداية استعمال الآلات في أواخر القرن الثامن عشر، حيث رأى العمال في الآلات الجديدة وسائل لقطع أرزاقهم، بل منهم من ثار عليها كما حدث في إنجلترا حين دفع تِدْ لود رفاقه من عمال الغزل والنسيج إلى ثورة شملت وسط البلاد وشمالها حطّموا خلالها الآلات وأحرقوا المصانع، بينما شكّك أهل الصنائع والحرف في عمليات التحديث التي يعدّ بها أصحاب المصانع.

الإنسان أصبح قادرا على الإخلال بالتوازنات الكبرى للأرض ورغم ذلك من الصعب أن نعترض على نزعة الاستهلاك التكنولوجي

وكان هؤلاء يوهمون مجتمعاتهم بأن تطوّر الآلات هو تقدم نحو الحرية والمساواة والوئام، ويمجّدون المهندسين والتقنيين كأبطال عصريين، ويستعملون كل الوسائل البيداغوجية لإقناع مواطنيهم بجدوى التقدم، كبعث جمعيات لنشر التصنيع وتعميمه، وإقامة حفلات على شرف المبتكرين الصناعيين، وتبسيط المنظومة العلمية الخاصة بالتصنيع لإقناع أكبر قدر ممكن من الناس بفوائدها الجَمّة.

وقد وقف ضد المنظومة الآلية الاشتراكيون وبعض الأوساط المحافظة، بسبب ظروف العمل في المصانع ومخاطر تجفيف الموارد الطبيعية وتلويث البيئة. بينما اتّخذ عدد متنام من المهندسين ورجال الاقتصاد الليبراليين من الآلة وسيلة محايدة للتفتح والتحرّر، ومصدرا للتقدم. وهم الذين كانت لهم الغلبة، إذ أوجدوا طيلة القرن التاسع عشر كل ما من شأنه أن يسكت المنتقدين، كبعث معايير أمان، وأنظمة تأمين، وقوانين حول مخاطر الشغل وحوادثه، واستطاعوا أن يقنعوا العمال بأن الآلية تقلل من عناء الأشغال، وأن الطبقة العمالية أشبه بالإنسان البروميثيوسي الذي يعتبر “العمل وسيلة لتمثل هويته من خلال تجربة الاتصال بالآلة”.

 وكان من نتائج هذه الحركة التحديثية انتصار التفاؤل العلمي والتقني، وتهميش الأصوات المنتقدة، إلى حين اندلاع الحروب والأزمات.

فمنذ نهاية الحرب العالمية الأولى، تمّ الربط بين التكنولوجيات المستخدمة كالطيران والميكانيكا والكيمياء وبين المجازر الفظيعة التي خلّفتها. ما دفع بول فاليري إلى القول “إن العلم لوّث شرفه بفظاعة تطبيقاته”. ثم كانت الثلاثينات فترة حاسمة في نقد التكنولوجيا، حيث تصدى لفيف من المفكرين في أوج الأزمة الاقتصادية وصعود الأنظمة التوتاليتارية لذلك الهوس بالآلة، فكتبت سيمون فايل “الإنتاج المتزايد والمتسلسل يرهق الطاقات البشرية والموارد الطبيعية… ولكن لأيّ حاجة حقيقية؟”.

وتساءل علماء الاقتصاد مثل جون مينارد كينز وديفيد ريكاردو عن البطالة التي تنجم عن انتشار الآلات التكنولوجية، مثلما صدرت عدّة مؤلفات تضع الحداثة التقنية موضع مساءلة نذكر من بينها “أفضل العوالم” لألدوس هكسلي و”نظرات حول العالم الراهن” لبول فاليري.

نقد ونقد مضاد

المثقفون يدينون التقدم بينما يتمتعون بنتائجه
المثقفون يدينون التقدم بينما يتمتعون بنتائجه

 مع نهاية الحرب العالمية الثانية، خنست الأصوات عن ذكر مساوئ التكنولوجيا، لأن المرحلة كانت مرحلة إعمار واستعادة سبل النمو على وجه السّرعة، ما جعل الآلات والوسائل التكنولوجية حينئذ أدوات سلم وحرية.

وقد شهد الاقتصاد الأوروبي في تلك المرحلة نوعا من الرخاء، بفضل التعديل الفوردي، نسبة إلى الأميركي هنري فورد، وكانت الفوردية تقوم على تكنولوجيا بسيطة وغير مكلفة، بشكل يجعل الإنتاج المتخصص أقلّ كمّيّة وأكثر جدوى، كما تقوم على تعديل الأجور واقتسام عائدات الإنتاج وتحسين الظروف المعيشية للطبقة الشغيلة، ما ولّد انطباعا لدى فئات كثيرة بأن المجتمع الصناعي مصدر ترقٍّ اجتماعي.

غير أن النقد ما لبث أن عاد مع أزمة السبعينات، حين ظهرت حركات متعددة كدعاة السلام ومناهضي استخدام الطاقة النووية ومناصري العالم الثالث ومنتقدي مجتمع الاستهلاك والإيكولوجيين شكّلت تيارا قويا ينضوي تحت لافتة عريضة يلتقي فيها سائر منتقدي التكنولوجيا.

كما ظهر كتّاب كثر، مثل المفكر جاك إيلّول، المتخصص في التقنية، أو إيفان إيلّيتش، المتخصص في الإيكولوجيا السياسية، أشاروا إلى الآثار السلبية للتصنيع كنفايات المصانع والسيارات وما تسببه من مآس وتلوث، إضافة إلى حنا أرندت وغونتر أندرس وبقية المفكرين الذين حذروا من الأحلام التقنية الزائفة وطوّروا نقدا شديدا للمنظومة التقنية العلمية.

بل إن عددا من الباحثين والمهندسين وعلماء الفيزياء عبّروا بوضوح عن موقف معاد لاستعمال الذرة حتى في الحياة المدنية، من بينهم ألبرت أينشتاين وفريديريك جوليو كوري وجون فون نومان الذي ساهم في صنع القنبلة الذرية، بعد أن تأكد لديه أن التقدم العلمي والتكنولوجي يضع الإنسانية في خطر.

كذلك ألكسندر غروتندييك الذي عدّ من أكبر علماء الرياضيات في القرن العشرين، فقد انقطع عن البحث الأكاديمي وأدان تحالف البحث والصناعة خلال حرب فيتنام، وأنشأ عام 1970 حركة إيكولوجية راديكالية. كلهم يُجمعون على أن التكنولوجيا ليست هي المشكلة بل المشكلة في استعمالها لإيذاء الإنسان ومحيطه. وكان أينشتاين يقول “التقدم التقني مثل فأس وضعت بين يدي سيكوباتي”.

ولكنهم قوبلوا هم أيضا بنقد مماثل من طرف بعض رجال الاقتصاد مثل جان فوراستيي الذي عاب على المثقفين إدانة التقدم وهم يتمتعون بنتائجه. وهي الفترة التي شهدت أيضا ظهور مبدأ العلوم التقنية كتوصيف لمنظومة إنتاج جديدة تجمع بين العلوم والتقنيات وتتخذ شعارا لها “كل ما هو ممكن ينبغي محاولته”.

الحياة صناعة

المفارقة التي تعيشها المجتمعات المعاصرة، أنها من ناحية تسبح في النعيم التكنولوجي ومن جهة تنقد آثاره
المفارقة التي تعيشها المجتمعات المعاصرة، أنها من ناحية تسبح في النعيم التكنولوجي ومن جهة تنقد آثاره

في كتاب “نقاد التكنو – من رفض الآلات إلى الاعتراض على العلوم التقنية” ينطلق فرنسوا جارّيج أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة بورغوني من المقولة الفرنسية “لا نوقف التقدّم” ليبين المفارقة التي تعيشها المجتمعات المعاصرة، فهي من ناحية تسبح في النعيم التكنولوجي الذي وفرته المبتكرات الأخيرة خاصة السمارتفون، ومن ناحية أخرى لا تني تعبر عن آثار تلك المبتكرات كما هو الموقف هذه الأيام من الجيل الخامس للإنترنت، ما يدل على عدم تكيّف المجتمعات تماما مع التكنولوجيات الجديدة. والكاتب يذكّر بأن الإنسان لم ينتظر عصر ما بعد الحداثة للاعتراض على تنامي التكنولوجيات المهيمنة، ولكن نقده إياها غالبا ما همّش صوتَهُ مقاولو العلوم والتكنولوجيات أولئك الذين رأوا في الآلية فرصة للتخلص من البؤس والطبقية واتفقوا على جعل الآلات مستقبلَ الإنسان.

لا ننكر أن التكنولوجيا حققت فتوحات كثيرة سهّلت حياة الناس كالقطار والسيارة والدراجة والأدوات المنزلية وجهاز التصوير الطّبي… فغاية التكنولوجيات تحسين المعيش اليومي للفرد وظروف حياته، وكانت مخترعاتها تعكس التقدم الذي بلغه العلم وتعكس أيضا رغبة العلماء في توفير ما يجعل حياة الإنسان هنيئة.

كذلك جاء اختراع صامويل مورس للتلغراف، واختراع ألكسندر غراهام بيل للهاتف، وابتكار نيكولا تيسلا للكهرباء المتناوبة، واختراع ألان تورينغ للحاسوب… ولكن الإنسان غالبا ما حوّل كثيرا من تلك المخترعات إلى أسلحة لقهر الآخر المختلف عرقيا أو أيديولوجيا أو دينيّا.

فمنذ ظهور الآلة تجلى نزوع ثابت لدى البشر لتكريس التكنولوجيا لغايات عدوانية واستعمالها بطريقة مفرطة، كتطوير أسلحة الدّمار الشامل للفتك بأكبر قدر ممكن من البشر، فضلا عمّا تمّ عرضه على الناس كأداة أو وسيلة لتطوير إنتاجه، فإذا هو سمّ قاتل.

ولنا أن نتساءل عن مصير العالم لو لم يطعن أحد في مزايا التقنية، ولم يحذّر من أخطارها الممكنة، ولم يناضل لسحب بعض المواد السامّة من الأسواق مثل مادة الـ”دي دي تي” (ثنائي كلورو ثنائي فينيل ثلاثي كلورو الإيثان) ذلك المبيد الذي كان يستعمل في الزراعة وفي مقاومة حمّى السّبخة، أو غاز الـ”سي إف سي” (كلوروفلوروكربون) الذي يعتبر من الغازات المسببة للاحتباس الحراري والسبب الرئيسي في ثقب طبقة الأوزون.

ومع الصيحة الأخيرة للإنترنت أي “الجيل الخامس” الذي يبشر صانعوه بفتوحات على أكثر من صعيد، ويرى فيه مناوئوه مزيدا من استهلاك الطاقة والتلوث البيئي فضلا عن الضغوطات النفسية، يدخل العالم اليوم طورا جديدا من النقد التقني، في ظرف يتّسم بأزمة صحية ومالية واقتصادية واستنفاد للموارد الطبيعية وتدمير للبيئة، علاوة على تزايد التفاوت الاجتماعي، ما جعل كثيرا من المحللين يشعرون بالحاجة إلى إعادة النظر في المشروع التقني للحداثة وضخامته وتسارعه المطّرد.

لقد أصبحت الإنترنت وأدواتها الأيقونة التي تحوم حولها كل التهويمات التقدمية كمصدر لاقتصاد جديد لاماديّ حمّال للتنمية، ولكن رقمنة الاقتصاد سوف تجلب البطالة وأزمة شغل. كما أن المجتمع الرقمي سوف يخلق أشكالا جديدة من المراقبة الاجتماعية، وليس غريبا أن نشهد ثورة “لُودّية” جديدة تحطم الكمبيوترات هذه المرة ونقاط الربط بالويفي.

يقول فرنسوا جارّيج “لأوّل مرة، يمكن طرح مسألة القوة التي حازها الإنسان، وقد أصبح قادرا على تغيير التوازنات الكبرى لكوكب الأرض، وتحوير أنواع حيوانية أو دفعها إلى الانقراض، وجعل الحياة صناعة… ورغم ذلك من الصعب أن نعترض على نزعة الاستهلاك التكنولوجي والانبهار بالأدوات الأخيرة التي يفترض أن تدفع بحركة التنمية وحل مشاكلنا. والجدل لا يزال كاريكاتيريا بين من لا يؤمنون إلا بالتجديد التقني، وبين من يرون من الآن قرب نهاية العالَم”.

ينشر بالاتفاق مع مجلة الجديد الثقافية

10