نقد الفيلم الرديء

الأربعاء 2015/05/27

يرى البعض أنه يتعين على الناقد السينمائي أن يتصدّى إلى نقد كل الأفلام “المحلية” التي تنتج في بلده، بكل أنواعها، بما فيها الأفلام التجارية السائدة مهما بلغت سطحيتها وسوقيتها وابتذالها.

ولا شك أن دور الناقد هو أن يعثر على صلة للوصل، بين الفيلم والجمهور، وأن يلعب دورا في تقريب الفيلم من الجمهور، بغض النظر عما إذا كان تعامله بالنقد مع الفيلم سيكون بالسالب أو بالموجب. وهو أمر صحيح، ولكن نقد الأفلام وحده لا يكفي، بل يجب تناول الظواهر والاتجاهات والقضايا السينمائية التي تعج بها الساحة، سواء محليا أو عالميا.

أن يمتلك الناقد الجرأة على توجيه النقد إلى منتج سينمائي ما، لكونه يصنع أفلاما متدنية في قيمتها من وجهة نظر الناقد، ليس معناه أن يتغاضى عن توجيه النقد إلى المنظومة الثقافية التي تشجع وتدعم وتفرز مثل هذا المنتج، في وقت تتقاعس عن تشجيع التجارب الشبابية الجديدة التي يمكنها أن تساهم في تقدم الوعي بدور الفيلم في المجتمع.

والنقد السينمائي لا يوجد فقط في الصحف المطبوعة اليومية أو الأسبوعية أو حتى الصحافة السينمائية المتخصصة، بل وأيضا، في التلفزيون والإذاعة وعلى شبكة الإنترنت من خلال المواقع المتخصصة، والتي تخصص نافذة للنقد السينمائي والاهتمام بقضايا السينما باعتبارها فنا شعبيا يتطوّر يوما بعد يوم. وربما يكون ظهور الناقد على شاشة التلفزيون أكثر تأثيرا من عشرات المقالات، إذا عرف كيف يطرح مادته.

يظهر سنويا عدد كبير من الأفلام الاستهلاكية، التي تتكرر موضوعاتها، وتتشابه حبكاتها وشخصياتها ونهاياتها، ومنها الكثير من الأفلام المقتبسة بطريقة ساذجة عن أفلام أجنبية، ولكن بعد أن يتمّ تمييعها وإخضاعها لمقتضيات السوق والذوق السائد.

وإذا تفرغ الناقد أسبوعا وراء أسبوع، مخصصا مقالا مستقلا لكل فيلم من هذه الأفلام، فسوف يتدنى الجوهر من فكرة النقد نفسها، لأنه بلا شك سيكرر نفس الأفكار والآراء والخلاصات، ويعجز عن تطبيق المناهج النقدية المتقدمة على هذه الأفلام الهزيلة، بل سيكتفي دائما بالتعامل معها في إطار “الظاهرة الاجتماعية”، لا باعتبارها جزءا من ظاهرة الإبداع الفني فحسب، بما في ذلك ضياع الجهد والوقت، بل أيضا تمييع قيمة النقد ذاتها.

والأجدى أن يكتفي الناقد بتناول نموذج أو أكثر من هذه الأفلام، في إطار رصد الظاهرة الاجتماعية وتأثيرها على المنتجات الفنية التي يتم تعليبها لجمهور السينما السائدة.

إن دور النقد ليس فقط دورا ذيليا، أي اللهاث وراء كل ما يظهر من أفلام يوما بعد يوم، فإذا تأخر ظهور فيلم أو أكثر، تعطل النقد وغاب دوره وتوقف، بل على النقد أن يتعامل أيضا مع القضايا الفكرية للسينما، استنادا إلى تاريخها الثري في العالم، وأن يبحث أيضا في ما يمكن أن ينقل الفن السينمائي إلى الأمام، ويدرس وينظر إلى علاقة الفيلم بغيره من الفنون، ويعتبر الفيلم نتاجا إبداعيا يعبر عن رؤية المبدع الفلسفية وتأمله في ما يحدث من حوله في العالم، وليس مجرّد أداة لنقل رسالة مباشرة ساذجة معينة للجمهور: سواء أخلاقية أو أيديولوجية.

إن لم يلعب النقد السينمائي دوره الحقيقي المفترض، فسينكمش ويتراجع ويصبح نتاجا ذيليا، يقتفي أثر المنتج السينمائي أيا كان مستواه، يعلو معه إذا ارتفع، ويهبط مع هبوطه.

ولأن السينما عالم متجدد فالنقد أيضا يتجدد، وإذا عجز عن متابعة الجديد، في السينما وفي تطور الأنواع الفنية وتطور النقد أيضا، يتلاشى، أو يصبح بوقا دعائيا فاقدا للقيمة والدور والتأثير.

كاتب وناقد سينمائي من مصر

16