نقد النقد

لا شك أن الزمن الذي كان فيه الناقد الفني ينحى إلى التركيز على ما لم ينجح فيه الفنان في عمله قد غاب ولعدة أسباب، مع العلم أنه لا يزال هناك ناقدون يحلو لهم أن “يهشّموا” ما رأوا من أعمال فنية.
الجمعة 2018/06/08
أزمة ما خارج جدران الصالة

صادف منذ بضعة أيام أن نشرت مقالا عن معرض فني تلقى عدة تعليقات، اتسمت جميعها بالثناء الغادق على أعمال الفنانة المتعددة الوسائط التي قدّمت أعمالها.

ولدى قراءتي لتلك التعليقات تذكرت كيف أنني أثناء كتابة ذلك المقال حاولت بقدر المستطاع أن أكون صادقة مع ذاتي ومع القرّاء، وفي نفس الوقت ذهبت نحو التركيز على العناصر القوية واللافتة التي اتسمت بها الأعمال بدلا عن الإسهاب في الحديث عن مواطن الضعف.

ومن ضمن التعليقات استوقفني تعليق واحد عن الفنانة بهذه الكلمات “أبهرت بأعمالك الوجودية حتى لم تدع الناقدين سوى للتغني بجمال ما قدّمته”.

تساءلت مُمتعضة، هل ما قدّمته كان مجرد إطراء ومديح لأعمال الفنانة، أو أن صاحب هذا التعليق هو من اختار الإشادة بالفنانة أو بأعمالها؟

مراجعتي للمقال الذي قدّمته عن الفنانة أخذني إلى التفكير من جديد بماهية النقد الفني ولا سيما النقد الفني المُعاصر، لا شك أن الزمن الذي كان فيه الناقد الفني ينحى إلى التركيز على ما لم ينجح فيه الفنان في عمله قد غاب ولعدة أسباب، مع العلم أنه لا يزال هناك ناقدون يحلو لهم أن “يهشّموا” ما رأوا من أعمال فنية، إما لدوافع شخصية أو لأسباب ترتبط ببنيتهم النفسية أكثر من ارتباطها بالعمل الفني الذي كُتب له أن يقع في الفخ المنصوب له مُسبقا.

كما أن بعض النقاد لا يزالون يعتمدون في كتاباتهم عن الأعمال الفنية على مبدأ “خالف تُعرف” أو “استفزّ القارئ يسلم نصك”، يوازيهم في هذا المبدأ فنانون معاصرون يسعون هم أيضا إلى استفزاز أو صدم الناظر إلى أعمالهم كي “يسلم” حضورهم ويطول أمد حضوره في الوجدان.

وعند عودتي إلى قراءة المقال الذي كتبته عن الفنانة تأكدت بأنني لم أضع البوصلة ولم ينحز نصي إلى نوع من مغازلة وتمجيد لأعمالها، لم أعثر على مُجاملات لفظية ولا على منمقات كلامية ولا على ما جرى تسميته باللغة الشعبية حالة “تبخير” للأعمال المعروضة من أجل استمالة الفنان أو إرضاء لمن حوله من محبين، ولكنني من ناحية ثانية لاحظت أنني قد أكون فعلت ذلك بشكل غير مباشر، لأنني تجنبت ذكر ما لم تنجح فيه الفنانة لا سيما في كيفية ومعنى طرحها لشبكة أفكار تأسست عليها كافة أعمالها.

تذكرت ما قلته يوما في إحدى مقالاتي السابقة، قلت “على الناقد الفني أن يحاول أن يكون محضر خير، إذا صحّ التعبير، أي أن يسلط الضوء على مواطن القوة في العمل الفني، ويكتفي بمرور الكرام على نقاط الضعف، وإن وجد ما يكرهه أو يغضبه، فليقل رأيه ولكن كمن يسير في حقل من الألغام، مدرعا بالإفصاح عن الأسباب والإثباتات التي أدت به إلى تكوين رأيه السلبي.. أما إن لم يجد أي شيء يستحق الكتابة، فليس عليه أن يكتب إطلاقا”.

لا تراجع عن هذه الكلمات، بل أضيف التشديد على إقامة التوازن ما بين ما يمكن اعتباره أضاف أوانتقص من أهمية أي أعمال فنية أخذت على عاتقي الكتابة عنها.

لا، لم أرد أن يكون مقالي عن الفنانة مديحا خالصا، ولكن أردته مقاربة شخصية/نقدية لأعمال تستحق الكلام عنها ومن ضمنها إشارة أكبر إلى “الإشكال” الفكري الذي أسّس لها.

كان القارئ للمقال المعنيّ ذكره مُحقا في اعتباره “تغنيا” بالأعمال الفنية، كيف لا وأنا لم أذكر إلاّ تلميحا ما قوّض أساس بنيان الأعمال الفنية المُجتمعة في معرض مفهومي الطابع؟ وقد اخترت أن أركز على الأعمال فُرادى أكثر من تركيزي على ارتباطها ما بين بعضها البعض، تفاديا لبعض الملاحظات التي كانت لتشعل أزمة ما خارج جدران الصالة.

كيف لا وأنا ولم أشر إلاّ تلميحا إلى أزمة الهوية/الروحية/الوجودية المهولة التي تكشفت بشكل أساسي في كلية المعرض من خلال انتقاء الفنانة لمصادر فكرية محددة دون غيرها، لتمد بها وتبني عليها أعمالها؟

17