نقص الأكسيجين يضاعف تحديات مستشفيات تونس لإنقاذ مرضى كوفيد

تونس تلجأ إلى توريد الأوكسيجين بعد أن تجاوز الطلب إمكانيات التصنيع المحلي.
الأحد 2021/05/09
مخزون الأوكسيجين يوشك على النفاد

تونس – تواجه المستشفيات التونسية سباقا مع الوقت من أجل توفير مادة الأكسيجين لإنقاذ مرضى كوفيد - 19 الذين تتزايد أعدادهم بوتيرة متسارعة.

ورغم أن السلطات التونسية ركزت منذ بداية أزمة كوفيد - 19 مستشفيات متنقلة ووفرت أسرة إنعاش إضافية ووظفت أطقما طبية، لكن البلاد تواجه اليوم سباقا مع الوقت من أجل توفير مادة الأكسيجين التي تزايد الطلب عليها مع اشتداد الموجة الثالثة.

وأقرّ رئيس الحكومة هشام المشيشي في مؤتمر صحافي الجمعة خصصه للإعلان عن الإغلاق التام في البلاد طوال أسبوع عيد الفطر، بأن "هناك أزمة في الأكسيجين وأحيانا أيضا لا نجد أسرة للإنعاش"  في بلاده التي يحصد فيها الفايروس أرواح قرابة مئة شخص يوميا بينهم أفراد عائلات بأكملها.

ونبه المشيشي إلى "خطر" انهيار المنظومة الصحية و"الانهيار النفسي للأطباء".

ويقول رئيس قسم الإنعاش وعضو اللجنة العلمية لمكافحة كوفيد - 19 أمان الله المسعدي إن "استهلاك الأكسيجين في المستشفيات سيكون تحت المراقبة والاستعداد لأيام آتية قد تكون أصعب".

ويوضح رئيس قسم الإنعاش الطبي في "مستشفى الحروق البليغة" بمحافظة بن عروس أن "الوضع خطير"، معلّلا ذلك "بعدد المرضى في المستشفيات الذي تضاعف نحو مرتين خلال شهر فقط".

وكنتيجة لذلك فاق استهلاك الأكسيجين الطاقة الإنتاجية المحلية، لأن "الاستهلاك تضاعف إلى أربع وست مرات" بحسب المسعدي.

وتصنع تونس على المستوى المحلي عبر شركتي "آر ليكيد" و"ليند غاز" الأجنبيتين نحو 100 ألف لتر من الأكسيجين، لكن المستشفيات والمصحات التي تعالج مرضى الوباء في حاجة إلى 170 ألف لتر بشكل يومي.

وتشكل الـ70 ألف لتر الناقصة تحديا يوميا للحكومة.              

وأمام تردي الوضع الصحي والطلب المتزايد على هذه المادة استعانت تونس بتوريد كميات من الجزائر على امتداد شهر لتفادي النقص الحاصل، كما أكد وزير الصحة فوزي المهدي في تصريحات إعلامية، لافتا إلى إجراء محادثات مع ليبيا لطلب العون منها.

وتواجه شركة "ليند غاز" اليوم سباقا مع الوقت لتأمين الطلبات التي تتزايد.

ويقول مدير التسويق بالشركة وجدي بن الرايس "منذ نهاية أكتوبر بدأ الطلب يتزايد، ووصل إلى الذروة منتصف فبراير وتضاعف إلى حدود أربع مرات".

وتعمل الشركة على تزويد مستشفيات في 15 محافظة (من أصل 24) في البلاد من دون توقف، وتتم مراقبة مستوى الأكسيجين في خزانات المستشفيات عبر شاشات التواصل عن بعد، من مقر الشركة في منطقة المغيرة القريبة من العاصمة.

ويضيف بن الرايس "الطلب تجاوز إمكانيات التصنيع المحلي ولجأنا إلى التوريد من إيطاليا"، وكذلك من الجزائر "لاختصار الوقت"، لافتا إلى أن "الوضع تحت السيطرة حاليا، ولكنه هش لأننا نبقى رهينة دول الجوار التي يمكن أن تغلق في أي وقت" في حال تدهور الوضع الصحي لديها.

ومن المرجح أن يتضاعف الطلب من المستشفيات التونسية على الأكسيجين مرتين مقارنة بالـ100 ألف لتر التي تصنع محليا يوميا.

ويتم جلب الأكسيجين من الجزائر عبر الحدود البرية وتشحن الخزانات التي تحملها شاحنات الشركة، ويتطلب ذلك ساعات طويلة مرة كل يومين.

وتسجل تونس منذ مطلع أبريل ارتفاعا في عدد الإصابات بالفايروس في البلد الذي يعد نحو 12 مليون نسمة، مع العشرات من الوفيات وأكثر من ألف إصابة يوميا. وسجلت في تونس إجمالا 11.208 وفيات بالوباء وحوالي 320 ألف إصابة.

ويعالج راهنا أكثر من 500 شخص داخل أقسام العناية المركزة، وهذا رقم غير مسبوق منذ بداية الجائحة في مارس 2020، أمّا أسرة الأكسيجين فهي مستغلة بنسبة 80 في المئة.

لكن عمليات تزويد المراكز الاستشفائية بالأكسيجين محفوفة بالمخاطر، ويقول بن الرايس "لسنا في منأى عن إمكانية تعطل آلة تصنيع الأكسيجين أو تأخر خافرة في البحر بسبب سوء الأحوال الجوية، لنجد أنفسنا في وضع يشكو نقصا في التزود".

وفي مؤشر على تفاقم الأزمة، اضطر مستشفى محلي بمحافظة صفاقس (وسط - شرق) نهاية أبريل الفائت إلى نقل مرضى إلى مستشفيات أخرى احتياطيا، بعدما تراجعت الكميات في خزاناته الرئيسية إلى حد كبير.

ولا تستبعد تونس وصول موجات أشد إلى البلاد خصوصا مع انتشار المتحور البريطاني، وتبدو المخاوف جدية بالنظر إلى تباطؤ وتيرة حملة التطعيم ضد الفايروس التي انطلقت نهاية مارس الفائت، إذ لم يتم تلقيح سوى حوالي 333 ألف شخص بسبب مشاكل في التزود باللقاح وإخلالات في عمليات التسجيل.

ويتابع المسعدي "لم نتمكن من تأمين الأكسيجين اللازم للمرضى مستقبلا، وهذا سيكون مأساة، يجب ألا نصل إلى هذا المستوى".

وتشكو تونس من قطاع طبي هش ما فتئ يعاني من مظاهر فساد مستشر، وهو ما أظهرته عدة قضايا اختلاس وتزوير وأدوية غير صالحة في السنوات الأخيرة.

وككل ميزانيات الوزارات التونسية، تذهب أكثر من 80 في المئة من ميزانية وزارة الصحة إلى نفقات الرواتب والتصرف، فيما تبلغ الاعتمادات المخصصة لتطوير القطاع وبناء مستشفيات جديدة وتدعيم مستشفيات أخرى بأقسام جديدة ومعدات، 269 مليون دينار فقط.

ولا يزال العديد من التونسيين (المناطق الداخلية) محرومين من أبسط حقوقهم في الحصول على رعاية صحية تستجيب لتطلعاتهم وتلبي حاجياتهم، خاصة أن القطاع الصحي مركّز أساسا في المدن الكبرى وفي المناطق السّاحليّة للبلاد.

وتشير دراسات إلى أن ديون المستشفيات المتراكمة، التي يبلغ عددها 166، إلى جانب 2100 مركز صحي وفق بيانات وزارة الصحة، تجاوزت 600 مليون دينار، وتؤكد أنها لم تعد تصلح لتقديم الخدمات الطبية وتحتاج إلى إصلاحات عاجلة.