نقص الحليب يجسد طبيعة الأزمة الاقتصادية في الجزائر

تختزل أزمة ندرة حليب الأكياس المدعّم من الحكومة الجزائرية، الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، لا سيما بعد أن اصطدم الآلاف من المواطنين بصعوبات الحصول عليه في الأسواق، الأمر الذي أدى إلى حالة من الاستياء جراء الوضع المتدهور.
السبت 2016/11/19
أفضل من لا شيء

كشفت أزمة ندرة حليب الأكياس التي دخلت أسبوعها الرابع في الجزائر عن مفارقات تحوم حول تسيير القطاع الزراعي واحتكار اللوبيات المستفيدة من حماية دوائر صنع القرار، وعن فشل الحكومات المتعاقبة في تحقيق الأمن الغذائي للمواطنين.

وأكد الخبير الاقتصادي عيسى منصور أن أزمة ندرة حليب الأكياس المسجلة منذ أسابيع، تعكس بوضوح حجم فشل الحكومة في تسيير القطاع الزراعي ومدى عجزها عن متابعة المخططات والمشروعات.

وقال منصور في حديث لـ”العرب” إن “أزمة الحليب في الجزائر، هي واجهة لأزمة القطاع الزراعي، فرغم الأموال الضخمة التي ضخت للنهوض به ورغم المقومات الجغرافية والمناخية، إلا أن البلاد تبقى بعيدة عن تحقيق الأمن الغذائي، وأن الأزمة الاقتصادية ستكشف عيوب التسيير والفشل ومدى نقمة النفط على الجزائر”.

وأوضح أن اقتصاد الريع كرس سياسة الإنفاق العشوائي وتهميش القطاعات الإستراتيجية في البلاد، وحتى الأموال التي ضخت للنهوض بالزراعة، على سبيل المثال، لم يسبقها التخطيط الجيد، ولا الرقابة والمتابعة لمصير تلك الأموال.

وأشار إلى أن مشروع استصلاح مليون هكتار يبقى على الورق فقط وفي التقارير الإدارية، وأما ما تم تحقيقه فلا يتعدى سقف 300 ألف هكتار حتى الآن.

وكانت وزارة الفلاحة الجزائرية قد أقرت سابقا بتقليص 6 بالمئة من كميات الحليب المجفف المستوردة، بغية محاربة التبذير والتحويل إلى أغراض إنتاجية أخرى كالأجبان، لكن حدة الأزمة وطول الطوابير الصباحية لأجل حليب الأكياس، يوحيان بأن الأزمة أعمق.

عيسى منصور: أزمة ندرة حليب الأكياس، تعكس فشل الحكومة في تسيير قطاع الزراعة

ويشكل تضارب الأرقام والمعطيات بين مختلف المصالح، أحد عوامل اهتزاز الثقة بين المستهلك والمنتج وأحد عوامل الأزمة، ففيما نفى وزير الفلاحة عبدالسلام شلغوم وجود أزمة حليب الأكياس ووصفها بـ”المفتعلة”، وقال بأن التبذير لا يجب أن يستمر وأن كميات الحليب اللازمة متوفرة، قدرت مصادر أخرى نسبة تقليص الواردات بحوالي 15 بالمئة، ما أدى إلى عدم الوفاء بحاجيات الاستهلاك المعتادة.

ورغم هذه التطمينات الأخيرة ودعوتها إلى الاستهلاك العقلاني، من أجل الحد من أزمة الندرة، فإن تضارب الأرقام والمعطيات والواقع توحي بأن الأزمة لن تحل قريبا، وهي أحد نُذر سياسة التقشف الحكومية.

ويؤكد منصور أن واردات الجزائر من مادة الحليب المجفف (الغبرة) بلغت مستويات قياسية تثير الاستغراب، ففي 2014 بلغت فاتورة الحليب المستورد قرابة الملياري دولار، الأمر الذي يصنف البلاد في المرتبة الثانية بعد الصين التي تستهلك 18 بالمئة من الإنتاج العالمي.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن استهلاك الفرد الجزائري يقدر سنويا بنحو 150 لترا من الحليب، بينما لا يتعدى متوسط الاستهلاك العالمي سقف التسعين لترا.

ويقول أحمد حيدوسي أستاذ الاقتصاد، إن الجزائر أنفقت قرابة 20 مليار دولار على استيراد مادة الحليب المجفف خلال العشرية الأخيرة.

وأوضح أن القضاء على الأزمة يتطلب استيراد 300 ألف بقرة حلوب تنضاف إلى الـ400 ألف الموجودة، وتجهيز مزارع بكلفة ملياري دولار في المجموع وهي فاتورة استيراد سنة واحدة فقط من هذه المادة.

وتطرح الأرقام استفهامات كبيرة بالنظر إلى الفوارق الديموغرافية بين الجزائر والصين، كما تطرح تساؤلات عما إذا كانت هذه الكميات الضخمة استهلاكا حقيقيا للحليب من طرف الجزائريين، أم غطاء لممارسات مجهولة للوبيات نافذة، توظف خزينة الدولة وغذاء الشعب في أنشطة غير شرعية وتهريب العملة، لا سيما أن كميات معتبرة من الحليب السائل تُنتج محليا.

ويقول منصور إن التصريحات الحكومية من حين لآخر، حول تقليص فاتورة واردات المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع، كالحليب والقمح، تنطوي على مغالطات للرأي العام، لأن الانخفاض المزعوم مرده انخفاض المواد في الأسواق العالمية وليس لزيادة الإنتاج المحلي.

ويرى الخبير الزراعي في تصريحه لـ”العرب”، أن اللجوء إلى الحلول السهلة والرؤى العشوائية وغياب الرقابة، يكبد الدولة الخسائر، وكان من الأجدر ممارسة الردع في حق المخالفين للقانون ومعايير الإنتاج والتحويل، بدل ممارسة العقاب الجماعي للشعب، على حد قوله.

20 مليار دولار حجم إنفاق الجزائر لاستيراد مادة الحليب المجفف خلال العشرية الأخيرة

وخلال جولة مراقبة دورية مؤخرا شملت 100 شركة تعمل في إنتاج الحليب ومشتقاته من بين 190 شركة تعمل في البلاد، اكتشفت مصالح المراقبة أن الحليب المجفف المستورد والمدعّم بنحو 50 بالمئة، يوجه جزء منه إلى صناعات أخرى، وأنه لا يطابق معايير الجودة.

وأكد منصور أن المصالح نفسها عاجزة إلى حد الآن عن التحكم في 75 بالمئة من كمية الحليب السائل المنتج محليا، وهو خلل كبير يعمق الأزمة ويثقل كاهل الخزينة، لأن الكمية الضائعة وغير الموجهة للملبنات يستفيد أصاحبها، من فلاحين ومجمعين، من دعم الخزينة.

واستفادت شعبة إنتاج الحليب من دعم مباشر من طرف الحكومة على مدار سنوات الرفاهية المالية، مما يقارب 4 مليارات دولار، إلا أن ذهنية اقتصاد الريع وغياب آليات ناجعة للرقابة والمتابعة، بخّرا تلك الأموال وأبقيا البلاد في تبعية للخارج وللوبيات.

10