نقطة نظام

بقدر ما كان ماني متهورا في التعبير عن غضبه، بقدر ما كان النجم المصري رصينا وهادئا، لقد تجاهل الحادثة برمتها، وواصل المرح مع زملائه.
الأحد 2019/09/15
هدوء وسكينة وعناق عقب المباراة

انتهى الجدل، لم يعد في الأمر اختلاف، وما حصل منذ فترة قصيرة أصبح من الماضي، طويت الصفحة وبقي المقامرون على تصدع محتمل في أركان البيت خارج الحسابات.

الحديث هنا يتعلق أساسا بالثنائي المتألق محمد صلاح وساديو ماني، إذ راهن البعض على وجود خلاف مستعر بين نجمي ليفربول، خاصة بعد تلك الحادثة التي حصلت في آخر مواجهة خاضها “الريدز” في الدوري الممتاز.

ففي تلك المباراة ضد بيرنلي، لم يتمالك اللاعب السنغالي أعصابه عقب خروجه من الملعب في الدقائق الأخيرة، وقد رصدت “الكاميرا” تحركاته وتصرفاته الغاضبة، فسّرها البعض بأنها ردة فعل من ماني على عدم تمرير صلاح الكرة له.

نسي الجميع أهمية الفوز بثلاثية خارج الديار في تلك المباراة، عدد قليل للغاية أشاد بأهمية ذلك الفوز الذي أبقى “الليفر” في الصدارة، فـ”الحدث الجلل” ذلك اليوم كان تصرّف ماني وخروجه عن الطور.

ما قام به ساديو ماني أشعل نار الشائعات، أظهر للبعض أن هناك قطيعة تامة بينه وبين صلاح، بل ظهرت الصورة وكأن هناك تقاطعا في المصالح والغايات بين ثنائي من أهم مفاتيح قوة ليفربول.

ظهر الأمر وكأن بين صلاح وماني “حرب” زعامة صلب الفريق، وتنافسا محتدما لبسط النفوذ والهيمنة وفرض الذات، حتى وإن تعلقت المسألة بتهميش دور الآخر والتقليل من شأنه.

هكذا خيّل للبعض، تعدّدت التحاليل والنقاشات، وهناك من اعتقد جازما أن العلاقة بين اللاعبين هي علاقة صدام وليست تكامل، علاقة مبنية على “الأنانية” لكن في “قالب مغلق”.

ساد الاعتقاد لدى هؤلاء أن كل لاعب يريد أن يسجل أهدافا أكثر من الآخر، أن يكون نجم النجوم في الفريق، ويكون أكثر تأثيرا.

تعدّدت الروايات وكثرت الأحاديث في الكواليس وفي العلن أيضا، عن وجود تصدّع في العلاقة بين النجمين، لدرجة أن هناك من تكهّن بأن أحد اللاعبين سيغادر الفريق إذا لم يتم تجاوز الخلاف، والهدف من ذلك الحفاظ على الهدوء الساكن في بيت ليفربول.

لكن الحقيقة مغايرة تماما لكل ما جرى، الحقيقة لا تعدو أن تكون مجرد تعبير عن شعور بعينه في لحظة معينة، الحقيقة تجسّدت في ثوان بسيطة، غضبا في ملامح ماني وتصرفاته، قبل أن تتحوّل إلى هدوء وسكينة وعناق عقب المباراة.

لقد أزال مدرب الفريق يورغن كلوب الغموض سريعا، حيث تحدّث مباشرة عقب تلك المباراة مفنّدا وجود أي خلاف، نفى بشدّة وجود مشكلات بين اللاعبين، برّر الأمر بأنه مجرد ردة فعل من ماني الذي رغب بشدة في تسجيل ليفربول هدفا آخر.

صلاح نفسه لم يعط الأمر أهمية كبيرة، بل تجاهل الموضوع برمته، وركّز كل اهتماماته على مواصلة العمل دون الالتفات إلى الإشاعات والأحاديث الجانبية. أما ماني فعاد سريعا يداعب الكرة مع صلاح في التمارين، نسي الموضوع أيضا، وكأن الأمر لم يحدث بالمرة.

وحدهم المقامرون على إدخال بلبلة صلب الفريق من واصلوا الحديث عن نقطة الخلاف هذه، وحدهم من راهنوا على توتّر العلاقة بين نجمي الفريق، لكن كل شيء أصبح ظاهرا للعيان كلّما تقدّم الوقت ومرّت الأيام.

فخلال التمارين الأخيرة التي سبقت مباراة، السبت، ضد نيوكاسل، كانت الأجواء جيدة ورائعة، لا أثر لأي خلاف أو توتّر داخل معسكر ليفربول، لم يغب ماني ولم يتمرّد صلاح، بل على العكس تماما كانت الصورة رائعة.

فالعلاقة الودية بين كل اللاعبين كانت القاسم المشترك، والابتسامات وكذلك “المقالب” بين عناصر المجموعة بمن فيهم صلاح وماني كانت سائدة، فهل ما زال هناك شك بوجود تصدّع في العلاقة بينهما؟

الأكثر من ذلك أن هذا الثنائي يدرك جيدا، أنه لا يوجد نجاح إلاّ بوجود تكامل في جهود كافة الأطراف، هذا الثنائي يعلم جيدا أن من أهم مصادر قوة ليفربول منذ قدوم صلاح هو الانسجام الكبير بين ثالوث الهجوم ماني وصلاح وكذلك البرازيلي فيرمينو. لذلك من العبث الحديث عن وجود “شرخ وهمي” في علاقة الطرفين، حتى وإن خرج ماني نسبيا عن النص، وكان تصرفه أرعن وخاليا من الهدوء.

ربما كان على حق، فـ”الغريزة” التي تتحكّم في المهاجمين الهدافين تقودهما أحيانا إلى الإتيان بتصرفات غير منتظرة، إذ أن الهاجس الأول والساكن في كل لاعب يريد التألق هو النجاح، ونجاح المهاجمين يرتكز على تسجيل الأهداف.

وبقدر ما كان ماني متهورا في التعبير عن غضبه، بقدر ما كان النجم المصري رصينا وهادئا، لقد تجاهل الحادثة برمتها، وواصل المرح مع زملائه. لقد أثبت أن كل ما حصل لا يدل على وجود نقطة خلاف، بل هي نقطة نظام ترتكز على البحث الدائم عن التألق والنجاح لما فيه خير النادي.

23