نقمة التنوع في العالم العربي: فسيفساء قضت الطائفية على تجانسها

أمام ما تشهده المنطقة العربية من أحداث وصراعات متتالية، تتجه عيون المراقبين إلى تحليل الأسباب الكامنة وراء اندلاعها وتمددها في الكثير من الأحيان. وقد خلص الجميع إلى أن المشاكل الطائفية والهوياتية تعد من أبرز العوامل المساعدة على نشأة هذه الحروب وتطورها، لا سيما في ظل استغلال الكثير من الأحزاب والقيادات الدينية لهذا المعطى من أجل خدمة مصالحها السياسية طمعا في الوصول إلى السلطة.
الاثنين 2016/03/07
الجميع سواسية أمام غرائزهم الطائفية

الجماعة الإثنية، بحسب تعريف المفكر الراحل عبدالوهاب المسيري، هي “الجماعة التي لها تراث تاريخي وحضاري مشترك يتوارثه أعضاء الجماعة جيلا بعد جيل إلى أن يصبح جزءا عضويا لا يتجزأ من وجودهم، يميّزهم عن الآخرين ويشكّل مصدر خصوصيتهم القومية”. والجماعة الإثنية، عند المسيري، هي “جماعة عضوية، إذ أن التراث الإثني يربط أعضاء الجماعة بعضهم ببعض كما يربطهم بأرضهم بطريقة عضوية”.

وبفعل الانغلاق الهوياتي والركود الاجتماعي الذي تعيشه المجتمعات العربية وما تعانيه من استعصاء اجتماعي وانسداد ثقافي، فإن الأحزاب التي تتشكّل سرعان ما تتحول إلى إثنيات منغلقة على نفسها، وهذا ما حصل مع الإخوان المسلمين على سبيل المثال، إذ يشير باحثون إلى أن نمطية الحياة التنظيمية داخل الجماعة تؤسس لتشكيل “طائفة” أو “سلالة” مستقلة عن المجتمع.

وفي دراستها “معضلة الجماعات الإثنية في الوطن العربي”، تؤكد الباحثة رشا إبراهيم أن “الإثنية هي ظاهرة تاريخية تعبر عن هوية اجتماعية تستند إلى ممارسات ثقافية معيّنة ومعتقدات متفردة والاعتقاد بأصل وتاريخ مشترك وشعور بالانتماء إلى جماعة تؤكد هوية أفرادها في تفاعلهم مع بعضهم ومع الآخرين”.

واللافت هنا أن بزوغ مصطلح الجماعة الإثنية ارتبط بحقبات تاريخية سلبية على الرغم من أن استخدامه المعاصر يأتي في إطار تكريس حقوق الهويات الثقافية والمكونات الاجتماعية كمفهوم إيجابي متداول عالميا. وفي هذا الخصوص يقول المسيري إن “النظرية الإثنية حلَّت محل النظرية العِرْقية في الخطاب الحضاري الغربي كأساس لتعريف الذات وتعريف الآخر ولتبرير عمليات الغزو والهيمنة بسبب تماثلهما البنيوي العميق وربما ترادفهما”.

التوظيف السياسي

هذه الهوية الإثنية التي تتغول على الفردية وعلى الاجتماع البشري، بمعنى أنها تلغي الفرد والمجتمع لصالح قلعة الذات الهوياتية المحصّنة أو لصالح ماهوية ثقافية معينة أو أيديولوجية مخصوصة، هي التي تنتج الصورة النمطية عن الذات، وهي التي تسهم في استعداء الآخر وتوفر البيئة المساعدة على التمييز والتمييز المقابل. لذلك فوجود أزمة إثنية في مجتمع ما لا يعني فقط وجود طرف ظالم وطرف مظلوم، ولكنه يعني أيضا وجود شعور هوياتي مأزوم وسلبي حتى لدى الطرف الذي يعاني الظلم.

الإشكالية الكبرى ليست في الهويات بحد ذاتها، لكنها في انفعالها وانفلاتها وما يرتبط بها من افتعال سياسي وأيديولوجي مؤطر هوياتيا.

وتظل المشكلة في الهوياتية، تلك النزعة السياسية والحزبية لاستغلال وتوظيف الهويات الدينية والعرقية في الصراع السلطوي. فالحراك السياسي الذي ينطلق في سبيل مناصرة هوية دينية أو مذهبية، لا يلبث أن يحول الهوية نفسها إلى أداة في الصراع مع هويات أخرى.

المشكلة في الهوياتية تلك النزعة السياسية لاستغلال الهويات الدينية والعرقية وتوظيفها في الصراع السلطوي

وفي الواقع كل هوية هي مشروع اقتتال مع الهوية الأخرى في ظل وجود “سياق صراعي” وما لم تتم بلورة “وعي بديل” للوعي الهوياتي. فلا تكبح الهوية إلا بالهوية، والهويات الدينية والعقائدية والعرقية يفترض أن يتم ترشيدها بهوية أوسع هي الهوية المواطنية.

والهويات الوطنية والقومية والقُطرية والأممية يُفترض أن تتم عقلنتها بهوية حضارية إنسانوية عالمية جامعة وصولا إلى هوية عالمية عولمية مُتعولمة أكبر وأشمل. والهوية الأوسع والأكثر انفتاحا تكون محصّنة ضد التهميش، والعكس صحيح بحسب أمين معلوف، إذ يقول “كل من يتبنى هوية أكثر تعقيدا سيجد نفسه مهمشا”.

وما يحصل اليوم في العالم العربي عملية معقدة، حيث ثمة أدلجة للجماعات الإثنية المذهبية كما يفعل الإسلام السياسي مع مذهبي السنة والشيعة، وثمة “أثننة” للأيديولوجيات كما حصل مع جماعة الإخوان المسلمين التي تحولت مع الزمن إلى جماعة إثنية مغلقة ومعزولة عن المجتمع.

ومثل هذه الجدليات المحيطة بالموضوع تطرح تساؤلا حول مفهوم “التعددية الثقافية” الذي يقرّ حقوق الإثنيات في التمايز الهوياتي عن بعضها، فيكون ذلك على حساب فردية أعضائها من جهة وعلى حساب الاندماج الاجتماعي من جهة ثانية، فهل هذا النمط من التعددية الثقافية يمثل الوصفة السليمة للمجتمعات وللتعامل مع التنوع الثقافي أم أن الأمثل هو تحقيق “الاندماج الثقافي” عبر سياق تنموي ومواطني وحقوقي يؤكد على الفردية ويخفف من هيمنة الروح الإثنية والهوياتية على تفكيرنا وسلوكياتنا بما يجفف منابع التمييز العنصري والإقصاء والاستبعاد الاجتماعي بيننا؟

إن الاستثمار السياسي والأيديولوجي في الهويات الدينية والمذهبية والإثنية من جهة، وتراجع الوعي وخراب البيئة الاجتماعية من جهة أخرى، من بين العوامل التي أدت إلى تحول التنوع الثقافي من نعمة إلى نقمة. وتقول الباحثة رشا إبراهيم في هذا الاتجاه “أصبح التعدد الطائفي الديني والإثني يظهر على أنه نقمة إلهية بدل أن يعاش كما كان عليه الحال دائما في المجتمعات القديمة كثروة وطنية”. وعندما تسود ثقافة من قبيل أن التنوع نقمة وتشرذم نجد في المقابل ثقافة أخرى متطرفة ترى في الاندماج إلغاء للخصوصية الإثنية أو الدينية، وبين هاتين الثقافتين الإلغائيتين تضيع الدول وتتفكك المجتمعات.

فالذين ينادون بدولة وطنية شمولية تسود فيها هوية إثنية واحدة هي هوية الأغلبية، إنما يطالبون بنموذج إلغائي لن يصمد طويلا في هذا العصر الذي تسوده تعددية الفرص والمنابر والمنصات وصار بإمكان كل إنسان أن يُسمع صوته ويعبّر عن نفسه وهويته وثقافته. والذين ينادون بدولة مفككة تتحول فيها كل إثنية إلى دولة داخل الدولة دون أدنى اعتبار للتماسك الاجتماعي والمشتركات المصالحية بين الأفراد والجماعات، إنما ينادون بنموذج انقسامي تفكيكي لن يصمد أيضا، لأنه ليس أكثر من نظام يعمل ضد نفسه ولنا في النموذجين العراقي واللبناني مثال تطبيقي واضح.

الهويات في المجتمعات العربية

هناك فرق بين مفهوم الإدماج والاندماج الاجتماعي الذي يقوم على قيمة الحرية واحترام الخصوصية الثقافية والمواطنية الفردية وبين ظاهرة الإدغام السلطوي الشمولي الذي يقوم على القسرية وتذويب الخصوصية الثقافية وإلغاء الفردية. إن ما تعتمده دول عربية من الإدغام السياسي والإكراه الهوياتي وفرض هوية جمعية مصنعة سلطويا على مجموع السكان لن يحمي الأمن الوطني ولن يمنع من تفكيك المجتمع أو تشظي الدولة.

إن الذي يحمي المجتمعات ويصون وحدة البلدان هو الإدماج السياسي والاندماج الاجتماعي عبر الآليات الدستورية التي تحترم الحقوق والمسؤوليات، والسياسات العامة الرشيدة، والتنمية المستدامة المتوازنة

إن الذي يحمي المجتمعات ويصون وحدة البلدان هو الإدماج السياسي والاندماج الاجتماعي عبر الآليات الدستورية التي تحترم الحقوق والمسؤوليات، والسياسات العامة الرشيدة، والتنمية المستدامة المتوازنة. وفي هذا السياق توضح رشا إبراهيم “ليست التعددية الدينية والطائفية والمذهبية هي المسؤولة عن أي نزاع من النزاعات التي تعرفها المجتمعات العربية.

وليس لوجودها أي نصيب في ما تعاني منه الدولة والحياة السياسية والعقائدية من توتر وتمزق واضطراب. إن المسؤول عن كل ذلك هو استغلال التعددية، أي توظيفها من قبل النخب الاجتماعية في الصراعات السياسية والاقتصادية. ولعل المثال الأبرز للاستغلال السياسي المُضرّ بالتعددية هو نموذج “دولة المكونات” في العراق ونموذج “المحاصصة الطائفية” في لبنان، فمثل هذه النماذج تشوه التنوع الثقافي وتحول الهويات الدينية والعرقية إلى مصالح متناقضة، وهي التي قـادت إلى المــشهد الدمــوي السائد عربيا”.

إن الوعي الطائفي وعي زائف؛ فنحن أديان لا خنادق، ومذاهب ولسنا مكونات، وأيديولوجيات لا قبائل. لماذا يتحول “التسنن” إلى هوية سياسية ولماذا يصبح “التشيع” هوية حزبية؟ من الذي فرض هذه الوصفة ولماذا خضعنا لها ومن المسؤول؟ ترد الباحثة إبراهيم على جملة هذه التساؤلات بالقول “يخلق الحديث المتكرر عن الطائفية وعيا شقيا لدى المجتمعات العربية التي تشعر بأنها ضحية آلية عمياء جبارة تفرض عليها الانقسام بين عصبيات متنافرة وتغلق أمامها أبواب التحولات السياسية الديمقراطية والوطنية”. حيث لن تحصل أي جماعة إثنية مهما ناضلت على الاعتراف والإنصاف من الجماعات الأخرى ما لم تعترف هي بحقوق الجماعات الأخرى وتنصفها.

لا يمكن أن تأخذ دون أن تعطي فالاعتراف المتبادل بالحقوق والمظلوميات والإنصاف الاعتباري والمعنوي المتبادل هو الطريق الوحيد لتحقيق الإنصاف القانوني والحقوقي للجميع. وفي هذا الإطار تؤكد الباحثة إبراهيم أن “كل حق يقابله واجب، وما لم يقم كل طرف بواجبه يتعذَّر أن يعطى حقه كاملا”. فليس صحيحا أن يطالب السنّة بالإنصاف ويطالب الشيعة بالإنصاف ثم تكون النتيجة أن الجميع يعاني الإجحاف، حتى لو كنت مظلوما فإن عدم قدرتك على الشعور بمعاناة الآخرين وإصرارك على إنصاف ذاتك أولا كشرط لكل تعايش يجعل منك طرفا غير مؤهل للثقة!

ويتطلب منا هذا تفكيك انتماءاتنا التخندقية التي حشرنا فيها أنفسنا كجماعات في أخاديد التقابل المذهبي. وحين نخرج من خنادقنا ونتعرض لشمس الحقيقة والواقع سيكون بإمكاننا التحرك بحرية في المساحة الرحبة بين “الفردية المواطنية” كأفراد مستقلين عن طوائفنا وإثنياتنا وبين “الإطار الوطني” الجامع.

وستكون العلاقة ساعتها مباشرة بين المواطن والوطن دون الحاجة إلى وساطة الطائفة، وكما تبيِّن رشا إبراهيم “العلاقة المتبادلة بين الوطن والمواطن مبناها شعور المواطن بالانتماء لوطنه، وهذا الشعور ليس مادة توهب أو تشترى أو يتلقاها درسا عابرا، إنما هو عملية تراكمية تنشأ مع الفرد منذ ولادته”. لكن السؤال الجوهري هنا هو كيف نبني الوعي الوطني بالتراكم وكيف نضمن عدم تحوله إلى شوفينية أو عنصرية؟

إن هذا الأمر يتطلب أن تعمل الدولة كمنظومة سياسية وتنموية متكاملة لبناء الوعي الوطني المدني الديمقراطي الحضاري بغاية تعزيز الاندماج الاجتماعي الذي يحترم الفردية والخصوصيات الثقافية ويفتح للفرد آفاق التطور المعرفي والقيمي.

6