نقوش على جرار الفخار.. تروي انهيار الدولة الفاطمية

الاثنين 2014/01/13
الإنسان يوثق التاريح في الجرار

القاهرة - انتظمت عدة معارض فنية اختارت الجِرار من بين أهم معروضاتها، فنجد تلك التي نقشت عليها أعمال فنية رائعة بأسلوب معين، وكتبت عليها نصوص تاريخية مهمة، مما يجعلها تتحول إلى وثائق تاريخية مهمة عن تاريخ العرب.

وتعد الجرة من أقدم الأواني التي استخدمها الإنسان على الأرض، لكنه لم يكتف بكونها مجرد إناء، بل حولها إلى كتاب دون عليه حياته اليومية، ومن الغريب أن الجرار ورغم كونها سهلة الكسر فإنها حفظت أحداثا مهمة في التاريخ البشري على جدرانها الداخلية والخارجية.

ولما للجرار القديمة من أهمية فإن المتاحف العالمية تحفظ المئات منها، وقد تعلم العرب سكان ضفاف الأنهار في سوريا والأردن والعراق ومصر صناعة الجرار منذ أقدم العصور، مستخدمين في صناعتها الطين النقي، الذي يتجمع على ضفاف هذه الأنهار، وهو شبيه بالصلصال في ليونته ونقائه، ومنه يشكل الفخراني جراره.

ولكل بلد طريقته الخاصة في صناعة الجرار المختلفة في أشكالها وزخارفها، أما مصر فقد عرفتها منذ آلاف السنين، منذ أيام الفراعنة، ومازالت تستخدمها حتى الآن في الصعيد، حيث يحفظ فيها ماء الشراب وأنواع مختلفة من الأطعمة، مثل العسل الأسود والجبن المالح ومشتقات الألبان.

والفخرانية في صعيد مصر أشهر من صنع الجرة والزير والقلة، ويقول عالم الآثار الإسلامية والقبطية الدكتور حجاج إبراهيم أنهم اكتشفوا قصصا تاريخية كثيرة مدونة على الجرار بالمتحف القبطي، ومن بينها نص قبطي يرجع إلي نهاية الدولة الفاطمية، وقد حرصوا على دراسته وترجمته لمعرفة أهم المعالم التاريخية لتلك الفترة.

وحسب د. حجاج فإن النص على القلة يحكي رحلة قام بها الشقيقان «باسيلي» و«باكيرا»، وهما من رجال الكنيسة «بالمراغة» إحدى مدن محافظة سوهاج إلى جبل أسيوط لتقديم نذر لكنيسة الابن يوحنا «دير درنكة»، وكان النذر إثنتي عشرة جرة محملة بالبخور الجيد باهظ الثمن المجلوب من الصومال، ويبلغ طول الرحلة من المراغة إلى أسيوط حوالي مئة كيلومتر فضلاً عن قطعها بطريق النهر، لأن طريق البركان كان محفوفاً بالمخاطر التي سجلوها على الجرة، من قطاع الطريق ورجال الحاكم الظالم.

ويعلق د. حجاج على هذه القصة بأنها رغم بساطتها المفرطة، فهي تشير لأحداث غاية في الأهمية، فهي تصور الحالة الأمنية المتردية في نهاية الدولة الفاطمية، ومثل هذا البخور كان يحفظ في حقائب من الجلد، والأخوان أخفياه في جرار من الفخار كنوع من التمويه، كذلك اختيارهما لطريق النهر رغم أن الرحلة بالبر أسرع بكثير، وفي ذلك إشارة صريحة إلى مخاطر الطريق.

ويضيف د. حجاج إبراهيم: إذا كنا اكتشفنا نصوصا من العصور الماضية، فإن الجرار تحمل نصوصا أخرى معاصرة سجلها الفنانون كأعمال فنية تدل على الحقبة التاريخية المعاصرة، وتحمل تواريخ شخصية إن لم تكن مؤثرة على المستوى التوثيقي، إلاّ أنها تشير إلى دلالات اجتماعية وفنية، بعضها محفوظ في أتيليهات خاصة، وبعضها في منازل الفنانين أنفسهم، ومنها ما يحتفظ به آخرون كمقتنيات شخصية في إيطاليا وفرنسا، وبعد مئة عام قادمة قد تكون إعادة اكتشاف هذه النصوص ـ مهما كانت دلالاتها ـ شيئا طريفاً ومفيداً للغاية.

يقول عالم الآثار العربية د. عبد الحليم نور الدين: «لكي نتفهم ما تشير إليه النصوص يجب أن نرجع إلى التاريخ المسجل عليها، الذي يقابله 550 هجريا، أي النصف الثاني من القرن السادس الهجري، وهو يواكب انهيار الدولة الفاطمية». ففي عام 525 هـجريا تولى الخليفة الحافظ بعد قتل الخليفة الآمر بأحكام الله، وكان الحافظ ألعوبة في أيدي الجند، الذين أشاعوا الفساد وأعمال السلب والنهب في أرجاء مصر، وكان للصعيد نصيب كبير من هذه الفوضى، وزاد الأمر سوءا عندما تولى الوزارة «بهرام» الأرماني النصراني، الذي ولاّه أخاه على الصعيد، ليستبيح أموال الناس وأعراضهم، وظل الأمر على هذا حتى استقدام الخليفة الوزير رضوان بن لخش عام 532 هجريّا، الذي طارد بهرام وأخاه في الصعيد وقتلهما، وكان لهذه المعارك أثر كبير في إحداث فوضى في الصعيد كله.

وحسب د. نور الدين فإن التصاعد الدرامي للأحداث وصل ذروته عندما تسلم عرش الخلافة الظافر بالله أبي المنصور عام 549 هـجريّا، ودبر العباس قتله متهماً أخويه بالجريمة ليتخلص منهما كذلك، وبذلك يتولى الفائز بن المظفر وهو في الخامسة، ويكون العباس هو الوصي على الخليفة وينفرد بالسلطة، ولكن سرعان ما تنكشف المؤامرة ويهرب إلى الشام، ويتولى مكانه الوزير الأرمني الصالح طلائع بن رزيك في نهاية نفس العام.

ويضيف: “لكن لا يتغير الحال فبعد تولي «طلائع» أخذ في بيع الولايات للأمراء وأطلق أيديهم فيها، فتزايدت أعمال السلب والنهب والتعسف، ما أدى إلى انتهاء الدولة الفاطمية، التي بني مؤسسها المعز لدين الله مدينة القاهرة لتكون عاصمة حتى يومنا هذا».

وعن أهمية النص كوثيقة تاريخية يؤكد د.نور الدين أن هذه الأحداث وردت في كثير من المؤلفات التي كتبها المؤرخون، ولكنها لا تخلو من الانطباعات الشخصية، التي تجعلها غير محايدة، ولذلك كان لهذا الأثر قيمة كبيرة، لأن النص يعبر عن وجهة نظر رجل عادي عاصر هذه الأحداث، وكتبها بلغة غير منتشرة ليكتب الحقيقة كلها بدون مبالغة أو زيف. ومن المثال السابق تظهر أهمية الجرار، التي تزخر بها الصحراء العربية مدفونة تحت رمالها، والتي تحتاج إلى الدارسين والمؤرخين للنبش عن تاريخها وتقصي حياة أجدادنا من خلال ما تركوه من جرار.

12