نكديات.. للأبد؟

التشدد الصارم الذي بدأ يخفّ حاليا، نجد أن مظاهر الفرح ربما تأخذ شكلا هستيريا. صحيح أنه مصحوب بالدموع.. إلا أن المرأة المصرية تتحايل عليها بوصفها دموع الفرح.
الأربعاء 2018/04/11
المرأة ارتبط اسمها بـ"النكد"

المصريون ـ وأنا منهم ـ شعب غريب ويستحق الدراسة. وإذا كان أجدادهم قد تعاملوا مع “الموت” بإجلال فائق وبنوا من أجله الأهرامات كإحدى عجائب الدنيا السبع، فإن أحفادهم يضحكون حدّ السخرية المبكية، ولو على أنفسهم، إذا لم يجدوا من يسخرون منه.

حتى عقود قريبة وفي تقاليد صارمة، كانت توابع الموت في الريف عموما، وخاصة لدى النساء تصل حد الكآبة المميتة، لا راديو، لا تلفزيون، لا مظاهر فرح ولو بابتسامة عابرة، ولا تناول للحوم، ولا حتى اتصال “رجالي” بهن، ثلاثة أيام للعزاء، ومراسم مرور أسبوع، وطقوس أربعين وذكرى سنوية، ما إن تنتهي حتى يفجع الجميع بوفاة أخرى تُستنسَخ فيها نفس الطقوس، وهكذا.

ومع ذلك التشدد الصارم الذي بدأ يخفّ حاليا، نجد أن مظاهر الفرح ربما تأخذ شكلا هستيريا. صحيح أنه مصحوب بالدموع ـ كأنها ناقصة كآبةـ إلا أن المرأة المصرية تتحايل عليها بوصفها دموع الفرح، لنكون بالتالي أمام حقيقة واحدة.. المصرية تبكي بحرقة عند الفقد.. بمثل ما تبكي بشدة عند الفرح!

ربما كانت “الراقصة” التي يتم استئجارها لإحياء الأفراح الباكية وبعدها “النقوط” طبعا هي المعادل الموضوعي لما كان يعرف بـ”المعددة” في المآتم، وهي امرأة يتم استئجارها مع طاقمها لإحياء الجنازة بالنواح والولولة و”رفع الصوت” على المرحوم، وفي كل الحالات هي المرأة التي ارتبط اسمها بـ”النكد” حتى احتلت المرتبة الأولى عالميا كما بثت ذلك إحدى القنوات قبل أشهر عطفا على دراسة علمية.

وبمناسبة “النكد”.. لو سألت أي رجل عن سبب عدم جلوسه مع زوجته بعد فترة العمل وتفضيله المقهى على البيت، لوجدت الإجابة الغالبة ملخصها “الطفش” من “الوليّة”، أي المرأة التي تنكّد عيشته، إن لم يكن بالشكوى من أي شيء، فبالبكاء على أي شيء.. بسبب أو دونه.

كنت أقطن إحدى الشقق في منطقة شعبية ـ وهذا ليس عيبا ـ لكن كانت أصوات “الخناقات” الزوجية تتناقض تماما مع طبيعتي التي تميل إلى الهدوء، فالصراخ كان السمة الغالبة، وعويل النسوة يتجاوز كل حدود، حتى في منتصف الليل.

في يوم وخلال إعلان نتيجة الثانوية العامة، كنت أصعد درجات السلم حاملا بعض الأغراض المنزلية، ففوجئت بباب إحدى الشقق يفتح فجأة، لتنطلق منه صرخات امرأة تخرج لأجدها بوجهي حاملة بعض الأكواب الملونة.. وهي تولول: “يا خرابي.. يا لهوي.. الحقوني يا ناس. سألتها في فزع: خير يا ست.. ماذا حدث؟ مدت يدها بكوب صغير وقالت: بارك لي يا أستاذ.. ابني نجح!

يخرب بيتك.. سابت مفاصلي!”.

24