نكوص العقل الأصولي أصل الإرهاب ومنبع التطرف

تعددت الدراسات والبحوث التي حملت على عاتقها مهمة تفكيك الظاهرة الإرهابية الصادرة عن التطرف الديني الإسلامي أساسا وسبر أغوارها والتقصي عن الظروف المباشرة وغير المباشرة الكامنة وراء تغذيتها، لما بلغته من زخم خطير على مدى السنوات الأخيرة أضحى يهدد بنسف وحدة المجتمعات العربية الأكثر عرضة لهذا الوباء المتمادي فكرة وتفعيلا. غير أن جل تلك المحاولات بقيت منقوصة لعدم مرورها ببوابة أساسية للفهم لا يمكن في غيابها تشكيل وعي تام بتمفصلات الظاهرة، أساسها سبر أغوار ذهنية التكفير التي يقوم عليها العقل الأصولي من الأساس.
الثلاثاء 2015/10/13
العقل الأصولي لا يعترف بغير ما يعتقد أنه "حقيقته" الخاصة

لم تعد ذهنية التكفير الكامنة وراء الإرهاب الدموي الذي يجتاح المنطقة العربية، للأسف، حكرا على العناصر التكفيرية التي تسمح لنفسها بممارسة كل أنواع العنف خدمة لمشاريعها الظلامية الغريبة عن روح الأديان وصفاء المعتقدات، بل أضحت تمتد إلى جماهير عريضة في هذه الدول تعرضت على مدار عشرات السنين إلى عمليات غسيل للأدمغة ووقعت تحت وطأة وسيطرة بُنى ثقافية وتعليمية واقتصادية تنخرها جرثومة التطرف، حكمت كافة أمورها البسيطة والصغيرة بسلطة المقدس الديني.

هذا المقدس الذي احتكرته سلطتا السياسة والكهنوت، والذي أسهم من موقع متقدم في تغذية نعرات التطرف لدى قطاع واسع من المجتمعات العربية، يتناوله الباحث حسن حماد في كتابه الذي يحمل عنوان “ذهنية التكفير.. الأصوليات الدينية والعنف المقدس”، الذي سعى من خلاله إلى تناول ظاهرة العنف الديني في مصر، معتمدا على قراءة للعوامل التي أدت إلى التطرف وفضح الأصولية كبنية منتجة للإرهاب، مؤكدا أنّ الإرهاب المقدس ما هو إلا “توظيف للدين لخدمة الأغراض السياسية والدنيوية والحياتية للبشر”، وهو ما يعد وفق رأيه “أبشع أنواع السيطرة التي يمكن أن تمارس على الإنسان”.

وعلى الرغم من أن الكتاب ركّز على الإرهاب الذي تمارسه التيارات الأصولية الإسلامية المعاصرة التي تطلق عليها تسمية تيارات الإسلام السياسي، إلاّ أنّه لم يغفل التأكيد على أنّ “الحاضر ليس منفصلا عن الماضي، وأنّ مرجعيات هذه الجماعات هي مرجعيات تنتمي إلى التراث الإسلامي الذي ينبغي مراجعته بصورة جذرية بما يتلاءم مع مشكلات العصر وهموم الإنسان الحياتية الراهنة، ولا يمكن أن يتحقق ذلك بغير التحرر من هيمنة من يعتبرون أنفسهم أوصياء على الحقيقة المطلقة ويحتكرون لأنفسهم حق التحدث باسم الإله وباسم المقدس”.

وقد أضحى العنف الديني في مصر، وفق الكتاب، أكثر من كونه مجرد ظاهرة، حيث تخطى تلك المرحلة بمراحل وأصبح بنية ثقافية وعقلية متماسكة تفرز التطرف والإرهاب بصورة دائمة، ولم يعد أيضا مجرد رد فعل لظاهرة أو أزمة فقط، بل صار يدخل في شبكة متماسكة ومعقدة جدا من العلاقات في مختلف القطاعات والمؤسسات. كما أنه لم يعد أيضا مجرد ظاهرة تطفو على سطح المجتمع بل أصبح جزءا من ثقافته ومكونا أساسيا من مقومات وجوده. ومن الطبيعي أن ينتقل، وفق هذه الحالة من كونه بنية ثقافية إلى كونه بنية عقلية، حيث أنّ بنية التطرف الثقافي الديني أفرزت ذهنية عقلية متطرفة أيضا.

حسن حماد: الإرهابي الأصولي ذهنية قمعية مسكونة بهوس الاستعلاء على الآخرين

وفي سياق تحليله للعوامل الموضوعية للتطرف، يشير حماد إلى أن الأصولية الإسلامية المعاصرة بوعي أو من دونه تمارس في منطقة الشرق الأوسط دور الحليف لمن تسميه علنا بالعدو الأميركي، فهي في سبيل سعيها لأجل تحقيق يوتوبيا الخلافة الإسلامية تعمل بكل الطرق والسبل من أجل زعزعة وتفتيت وتفكيك أنظمتها القديمة وتحويلها إلى مجرد قبائل وطوائف وجماعات مهمشة ومتناحرة، والأمثلة كثيرة ومريرة على ذلك، وفق رأيه، بداية من أفغانستان مرورا بالعراق ولبنان وسوريا وليبيا واليمن وفلسطين، وليس انتهاء عند السودان، “حيث تعدّ هذه الدول التي انقسمت وتفككت وتحولت إلى كيانات رخوة مرتعشة مزعزعة، أكبر دليل على الدور التآمري الذي تقوم به تلك الجماعات التي أعمتها نرجسيتها العليلة عن أي أهداف قومية أو وطنية، لأنها ببساطة أسقطت معنى الوطن من حساباتها، وراحت تفتش عن وطن وهمي يتأسس على أنقاض عالمها المنهار”.

ويلفت هنا إلى أن هناك الكثير من الشواهد التي تؤكد على وجود تعاون وتنسيق مستمر بين الأميركيين والإخوان على سبيل المثال.

ويرى بعض المُحللين أنّ هذه العلاقات تكشف عن مؤامرة الهدف منها استغلال حالة الاحتقان السياسي والأزمة الاقتصادية التي تعيشها بعض دول الشرق الأوسط من أجل خلق حالة من الفوضى المدمرة التي تكون نهايتها سقوط الأنظمة الحاكمة القائمة وإيجاد حالة من السيولة السياسية التي تجعل الفرصة مهيأة للتدخل الأجنبي دفاعا عن الحقوق المهدورة للأقليات الدينية أو بدعوى استعادة النظام المنهار بشكل جديد يلائم المصالح الرأسمالية ويدين بالولاء والطاعة للقرصنة الأميركية، من خلال التعويل على عقل أصولي متطرف طيع ومحدود التفكير.

ولدى تعريفه لهذا العقل الأصولي المتطرف، يوضح الكاتب أنّه ذاك الذي يميل إلى اختزال الحقائق المتنوّعة والمتعددة للأشياء في حقيقة واحدة ونمط واحد من أنماط التفكير، بالإضافة إلى أنّ العقل الأصولي يفضي أساسا إلى تفكير محدود. وعادة ما يوظف هذا العقل لخدمة المسلمات الدينية، ونادرا ما يترك لنفسه حرية الانطلاق والجنوح في آفاق التخيلات والتأملات العقلية، فهو يفرض على نفسه قيودا وأسوارا لا يتجاوزها ولا يتخطاها.

ويرصد حماد عددا من الخصائص النوعية للذهن الأصولي تكشف عن بنية خاصة ومتجانسة تحمل قدرا من التمايز النوعي عن العقل الطبيعي الآخر تتلخص في:

العقل الأصولي يتسم بعداوته للتفكير العلمي

* أولا العقل الأصولي، عقل نكوصي ماضوي يقدس الماضي ويتحرق شوقا للعودة للأرحام المرجعية في الفقه واللغة والأفكار، لأن هذه الأرحام تبدو له وكأنها ملاذ آمن وطريق سهل للارتواء من منابع التدين النقي، ومن هنا يتسم العقل الأصولي بهذا الحنين الجارف لاستعادة الماضي التاريخي للأسلاف، والعودة إلى العصر الذهبي للسلف الصالح، ومن ثم يتم نفي الحاضر والمستقبل لحساب هذا الزمن المطهر من كل الخطايا.

* ثانيا يتسم العقل الأصولي بعداوته للتفكير العلمي وانجذابه للاعقل الأسطوري، فإذا كان العقل الحداثي يؤمن بالسببية ويبحث في فوضى هذا العالم عن النظام ويحاول إدراك العلاقة بين الأشياء بعضها ببعض، نجد أن العقل الديني الأصولي المتطرف يستخف بمبدأ السببية ويفسر العلاقة بين الإنسان والعالم والأشياء من خلال عناصر غيبية ومن خلال الخوارق والمعجزات.

* ثالثا يعاني الذهن الأصولي من أحادية البعد، وهو يعجز عن إدراك أنّ للحقيقة عدة أوجه وليس وجها واحدا، فهو يعجز عن التفكير بشكل جدلي من خلال الـ“معا” والـ“ضد” والـ“شيء” ونقيضه، حيث أنه يُعطي لنفسه الحق في الامتلاك المطلق للحقيقة، وهذا الزعم يعطيه الحق في نفي الآخر ورفضه ثم تكفيره تمهيدا لسحقه وتصفيته.

* رابعا العقل الأصولي عقل دوغمائي، والدوغمائية هي نوع من الاعتقاد المطلق في امتلاك الحقيقة التي تعلو فوق النقد والشك، وكل الأصوليات الدينية المعاصرة تزعم لنفسها امتلاك الحقيقة المطلقة وتنزع في تفكيرها نزوعا دوغمائيا.

ووفق هذه الركائز مجتمعة يتشكّل المنطق الأصولي، الذي يتنافى مع منطق الثنائيات المعرفية ومع طبيعة البشر وطبيعة الحقائق وطبيعة هذا الوجود، والتي تشبه جميعها ثراء وتنوع ألوان الطيف، حيث أن اختزال الإنسان والعالم والأشياء وفق منطق “أما-أو”، وفق ما يذهب إليه حماد، هو نوع من التفكير المرضي الذي يمنح أصحابه تبريرا سهلا لممارسة الإرهاب.

ليخلص إلى أنّ أزمة الإرهابي الأصولي ليست في امتلاكه لفكرة مطلقة فحسب، بل تكمن في أنه يريد فرض مسلماته على الآخرين، حيث أنه لا يطيق أن يحيا في عالم مختلف ولا يتحمل أن توجد في هذا العالم حقائق أخرى غير حقيقته، فهو أساسا ذو ذهنية قمعية مسكونة بهوس الاصطفاء والنقاء والطهر والتحريم والاستعلاء على الآخرين، لذلك من السهل جدا أن يدمر نفسه والعالم والآخرين معتقدا أنه بذلك قد حقق خلاصه النهائي.

6