نكي دو سان فال.. القناصة وسيدة الواقعية الجديدة في معرض استعادي ضخم في نيويورك

الفنانة نكي دو سان فال اشتهرت برسومها ومنحوتاتها التي عرفت بـ"نانا"، وتتميّز كلها برأس صغير وجسد ضخم وألوان زاهية.
الاثنين 2021/04/05
نساء يضاهين الرجال في القوة والبنية الجسدية

حتى مطلع سبتمبر القادم يقيم متحف الفن الحديث في نيويورك أوّل معرض استعادي للفرنسية – الأميركية نكي دو سان فال التي تلقب بـ"القناصة" لاستعمالها بندقية ترش بها القماشة، قبل أن تنتقل إلى إنجاز منحوتات ضخمة في الفضاء العام مليئة بالحيوية.

قضّت نكي دو سان فال (1930 – 2002) طفولتها في نيويورك قبل أن تستقر بباريس، ولكنها لم تحظ فيها بمعرض استعادي إلاّ الآن بفضل أحد فروع متحف “موما” الشهير الذي يكشف لروّاده عن هذه الفنانة الفرنسية – الأميركية التي مارست النحت والرسم والأنصاب والمآثر من خلال مئتي عمل فني تشمل منحوتات ورسوما ومجوهرات وأفلاما علاوة على الأرشيف هي خلاصة إنتاجها في الفترة الممتدة من الستينات حتى وفاتها في مطلع هذا القرن.

ولئن احتفى معرض متحف الفن الحديث بنيويورك وعنوانه “هياكل الحياة” بمسيرتها منذ الستينات، فإنه ركّز بصفة خاصة على جانب التشييد لديها، أي حين انتقلت إلى مرحلة إنجاز منحوتات ضخمة في الفضاء العام، قبل أن تنحو تدريجيا إلى ما يشبه الفن المعماري، لاسيما في “حلم الطّائر” الذي أنجزته في محافظة فار جنوبي فرنسا، وحديقة التاروت في مقاطعة توسكانا بإيطاليا، متأثرة بعبقري برشلونة أنطوني غاودي.

لم تكن سان فال من مؤسسي “الواقعية الجديدة” (1960 – 1963) بل التحقت بها بعد إنشائها وظلت على صلة ببعض أفرادها مثل النحات جان تينغيلي ودانيال سبويري وإيف كلاين، حتى بعد انفراط عقد المجموعة.

ولكنها كانت أشهر أعضائها على الإطلاق بفضل جمالها الفاتن وطريقتها في إنجاز أعمالها الأولى حين كانت تستعمل بندقية صيد تحشوها بالألوان لترش بها اللوحة أو “تُدميها”، كما كانت تقول، وبفضل حضورها الإعلامي أيضا، حيث كان التلفزيون يستضيفها لتقديم أعمالها الجديدة، وشرح العناصر المكوّنة للحساسية الجديدة التي قامت عليها الحركة.

تلك الحساسية أو “التميز المشترك” كما جاء في بيان تأسيس الحركة، وكذلك “المقاربات الجديدة لإدراك الواقع” لم تحصر أعضاءها في إطار ضيق، بل تركت لهم حرية تنويع الخلق والممارسة الفنية. وبذلك أمكن لنكي الاستفادة من المقاربة المتجددة للمدينة والمواد المعاصرة التي كان أعضاء الحركة يفضلونها، وكذلك ميل بعضهم إلى فن المآثر الوليد. ومن ثَمّ فإن العنف الذي تمارسه على لوحاتها هو وجه من أوجه الطليعة التي جعلت من التحطيم حركة خلق.

طواطم تعالج راديكالية في العنف لا تزال سارية المفعول
طواطم تعالج راديكالية في العنف لا تزال سارية المفعول

كذلك كانت بداية سان فال، بداية فتاة متمرّدة على وسطها البورجوازي، وعلى والدها الفرنسي وأمها الأميركية التي كانت تخجل من تحوّل ابنتها إلى عارضة أزياء ثم إلى رسامة يتبدّى العنف جليا في أعمالها. أي أن تمرّدها لم يكن فنيا صرفا، بل كان يستمد جذوره من طفولة ممزقة، لينعكس في أعمال بدأت بقذف القماشة بواسطة بندقية، ثم انتقلت إلى موقف المدافعة عن بنات جنسها في سلسلة من الرسوم والمنحوتات عرفت بـ”نانا”، أي نساء بلغة العوام، وتتميّز كلها برأس صغير وجسد ضخم وألوان زاهية يرقصن مثل المتزحلقات على الجليد.

ونكي تريد من ذلك الحجم الضخم أن تبيّن أن المرأة مساوية للرجل ليس في ذكائه فحسب بل في قوته الجسدية أيضا. ورغم إيمانها بقضايا المرأة فإنها رفضت الانضمام إلى الحركات النسوية الناشئة، لأنها كانت تريد أن تحافظ على أنوثتها سواء في الملبس أو في علاقتها بالرجل.

وبعد مرحلتي القذف والنساء، اكتشفت خلال زيارة لبرشلونة أعمال العبقري أنطوني غاودي، وخاصة حديقة غويل، فقرّرت هي أيضا إنجاز حديقة ساحرة. ومنذ 1979 عكفت على إعداد “حديقة التاروت” في مساحة تقدّر بهكتار ونصف الهكتار ببلدة كابالديو جنوبي منطقة توسكانا الإيطالية بمساعدة النحات السويسري جان تينغيلي الذي تزوّجها لاحقا.

وأنجزت اثنيتن وعشرين منحوتة ضخمة يبلغ ارتفاع بعضها خمسة عشر مترا، وترمز كل واحدة منها إلى ورقة هامة من لعبة “التاروت”، مثل “الباباسة” التي يسيل الماء من فمها منحدرا إلى “عجلة النصيب” وترمز إلى حدس الأنثى، أو “الساحر” المغلّفة بالمرايا وترمز إلى الذكاء والإبداع، أو “الإمبراطورة” وهي من الكبر ما يجعلها قابلة للسكن، إضافة إلى المنحوتات التي ترمز إلى “العالم” و”الاختيار” و”العدل” و”الاعتدال” و”القوة” و”الموت”.

هذه الحديقة الفاتنة فتحت أبوابها للزوار عام 1998، أي قبل أربع سنوات من وفاة سان فال، في وقت بدأ نجمها ينحسر، والسبب أن النقاد في عمومهم اهتموا بأصولها وجمالها بشكل فاق اهتمامهم بفنها، رغم أن أعمالها توحي للناس بشيء يعرفونه. ولكنهم لا يعرفون شيئا عن مبدعته لأنها استطاعت ترويجه عبر البطاقات البريدية، وأنها استطاعت أن تفرض حضورها في عالم يكاد يكون خاصا بالذكور وحدهم.

ولو تأملنا أعمالها المعروضة لاكتشفنا أن منابعها لا تقتصر على “التريشنتو” وبولّوك ودوبوفي وماتيس، بل تنهل أيضا من الفنون الأولى والفنون القبلية الهندية الأميركية بخاصة، لتعطي أعمالها طابع المعابد، فقذائفها وطواطمها تعالج راديكالية في العنف لا تزال سارية المفعول.

وغاية المعرض كما قال منظموه هي تعريف هواة الفن بفنانة لا تزال ثيماتها الأثيرة كالأنوثة والتفتح والكونية والفن كعامل تمتين للروابط الاجتماعية تعكس قضايا الراهن، فنانة لا يعرفها الأميركيون كثيرا رغم أنها عاشت في نيويورك وماتت في لاجولاّ بكاليفورنيا.

ثيمات أثيرة تعكس قضايا الراهن
ثيمات أثيرة تعكس قضايا الراهن

 

16