"نلتقي في الأعالي" لبيير لوميتر جدارية سردية لمجتمع لا يرحم

الأربعاء 2013/11/06
المال والمجد الأدبي نزلا على الروائي الفرنسي

وفقا لتقاليد أكاديمية غونكور، أُعلن مساء الاثنين 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري بمطعم "دروان" في باريس، عن فوز الروائي الفرنسي "بيير لوميتر" بجائزة غونكور للآداب عن روايته "نلتقي في الأعالي" الصادرة في شهر أغسطس الماضي عن دار "ألبين ميشيل" بعد أن حظيت بستة أصوات مقابل أربعة أصوات لرواية "آردن" لكاتبها فريديريك فيرجيه.

ضمّت اللائحة الأخيرة لجائزة غونكور للآداب للعام 2013 أربعة روائيين هم: "بيير لوميتر" و"جون فيليب توسانت" و"فريديريك فرجيه" و"كارين تويل". وقد ارتأت لجنة التحكيم أن تمنح هذه الجائزة للفرنسيّ بيير لوميتر عن روايته "إلى اللقاء في الأعالي" بوصفها "عملا أدبيا مكتوبا بأسلوب مطوّل وموجز في الوقت نفسه، وقد وصف فيه الكاتب الأحداث بالتفصيل وبكلمات بليغة".

جحود فرنسا

انصبّت أحداث الرواية على تأريخ بعض المظاهر السياسية والاجتماعية التي سادت بفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى 1914، وهو تأريخ سلك فيه الكاتب سبيل النقد الساخر والتوصيف التهكّمي لممارسات فئة من المضاربين بحياة الناس ومعاناتهم، ساسة كانوا أو عساكر، من أولئك الذين لم يروا في الحرب ونواتجها إلاّ فرصة للكسب والابتزاز. فنراهم يستثمرون كلّ ما يقع تحت أيديهم مطيّات للربح غير المباح، من ذلك أن الملازم "براديل" الذي مثّلت الحرب بالنسبة إليه جسرا يعبر منه إلى المجد الشخصيّ، يدفع باثنين من جنود فرقته إلى تنفيذ عملية عسكرية ضد الألمان لا طائل من ورائها سوى حصوله هو على نيشان جديد يتباهى به، وهو ما كاد يتسبّب في مقتل الجنديّ "ألبرت" لولا إنقاذه من قبل زميله "إدوار" الذي خرج من هذه المغامرة مشوّه الوجه، مكسور الفكّين.

ثمّ إنّ هذا الملازم، لمّا انجلت سحب الحرب، فاز، بطرق غير قانونية، بمزاد حكوميّ لتطهير ساحات الحرب من رفات القتلى، إذ راح يتاجر في الأموات عبر بيع عائلاتهم أماكن لدفنهم، وهو في ذلك لم يراع حرمة القتلى، ولم يحفل بالأعراف الأخلاقية في التعامل مع جثامينهم.

بُعيد الحرب، انهمكت فرنسا في تكريم موتاها والمفقودين من جنودها في إطار تصنيعها لملحمة عسكرية يخلّدها التاريخ، ولكنها في المقابل أهملت الناجين من هذه الحرب، حيث عاش المسرَّحون من الجيش ظروفا اجتماعية صعبة، إذ لم يعترف المجتمع بتضحياتهم، بل وعاملهم معاملة الفاشلين وعديمي الفائدة. وفي ظلّ هذا الجحود، وجد ألبرت وإدوار نفسيهما يعيشان ضغوطا نفسيّة لم يقدرا على تجاوزها وظلت تعاودهما الذكريات السيّئة. وبسبب من ذلك، قرّرا أن يخوضا تجربة الاحتيال، وهدفهما من وراء ذلك هو الانتقام من الدولة التي أهملت جنودها ومن الجشعين المرابين ومن قادة العسكر الفاسدين، وصورة ذلك أنهما راحا يتحايلان في مجال الأنصاب التذكارية ما سبّب للمؤسّسة العسكرية حرجا كبيرا سرعان ما التفّت حوله ودارته بالصمت حتى تحافظ على هيبتها ورمزيتها.

رواية للرؤية

"نلتقي في الأعالي"، هو عنوان مستخلص من قول أحد المُرابطين في جبهة القتال يخاطب فيه زميله بأنه سيلتقي به خارج الخندق إذا كُتبت لهما النجاةُ، إمّا إذا ماتا فإنهما سيلتقيان هناك في أعالي الغيب. والعنوان محيل إلى خيبة الأمل التي كان يعيشها الجنود الذين دُفع بهم إلى حرب لا يعرفون أسبابها. وقد استثمر الكاتب، في توصيف هذه الخيبة التي ظلّت تلاحق الجنود الفرنسيين في المعارك وحتى بعد انتهاء الحرب، درايتَه بفنّ الحكي الذي جمع فيه بين أسلوبيْ كتابة السيناريو والقصة الشعبيّة على غرار رواياته "فستان العروس" و"عمل دقيق" و"إطارات سوداء" و"أليكس" و"التضحيات".

والظاهر أن "لوماتر" اختار هذه المرة أن يتحرّش بالتاريخ الفرنسي خلال فترة العشرينات ويكشف فيه المسكوت عنه، ما جعل روايته تفارق أسلوب القصص البوليسيّ وتدخل خانة الرواية التاريخية، ولكن بلغة لا تحفل بتاريخ الماضي وإنما تروم مساءلة تاريخ هذا الحاضر، بل مساءلة حضور التاريخ في الذاكرة الجماعية الفرنسية. ولأنّ للتاريخ ثقلا لا تحتمله الرواية من حيث كثرة الأحداث وكثرة الفجوات بينها في الوقت ذاته، فإن "لوماتر" اجتهد طاقاته التخييلية ومعرفته بفنون الكتابة الفيلمية لشدّ القارئ، فلم يكتف بنسج حبكة واحدة للحكاية، وإنما نلفيه يوزّعها إلى نواتات صغرى، ويتخيّر لكل نواة منها حبكة خاصة، ويخلق بين تلك الحبكات الصغرى علاقات تفاعليّة تصبّ جميعها في خدمة الحبكة الكبرى مانحة للأحداث المرويّة عنفوانا متناميا لا يعرف الكسل السرديّ.

ومن ثمة تحوّلت المرويات المكتوبة إلى جداريّة مليئة بمشاهد تتمرأى أمام ناظريْ القارئ حتى لكأنه يتحرّك فيها ويسمع الآن أصوات أبطالها ويتعجّب من قدرتهم على تحمّل كلّ تلك العذابات التي لم تقدر الجمهوريات الفرنسية المتعاقبة على محوها من أرشيف صدور الناس.

15