نمر النمر وطائفية المثقف

الخميس 2016/01/07

أحدث صورة يتـمّ تداولهـا الآن في الوسط العربي الثقافي والسـياسي والاجتماعي هي صورة السعـودي نمر النمر الذي أعدمته سلطات المملكـة العربية السعودية بدعوى التحريـض، ومع أن مثل هذه الحالة ليست جديدة في السنوات الأخيرة حينمـا اشتـدّ الاحتقان الطائفي الذي كرسته أميـركا ومن معهـا ودول إقليمية لها مصالح وأجندات ونوايا باتت معـروفة ومفهـومة، إلا أن الحالة الطائفيـة يبدو كما لو أنها ترسخت في نفوس البعـض وباتت الفتيـل الذي يشعل الأزمات الاجتماعية والسياسية في أية لحظة، ولا سيما طائفية المثقفين العـرب، وهو أمر يـدعو للاستغراب والعجب فعلا؛ أن ينقاد قطيع من المثقفين وراء هـذه النوايا المبيتة سياسيـا لتخريب ما تبقى مـن الصورة الأخيرة للثقافة العربية على يد مثقفيها.

من المؤكد، نحن مع حرية الرأي والاستقلالية في الفكر ونستنكر موضوع الإعدامات في أي مكان وتحت أي تبرير لكن موضوع النمر أخذ حيزا كبيرا بين (طوائف) المثقفين الذين يُحسبون على (طائفة) الإبداع وليس على غيرها من الطوائف السياسية والمذهبية وبالتالي فعلى المثقف ضعفان من اللوم والعتب والنقد أيضا.

فالمقالات الطائفية ذات الوجه الطائفي المباشر وصفحات الفيسبوك المشتعلة بالنقد السريع وربما المجاني أيضا ومواقع التواصل الاجتماعي المتعددة التي فتحت ما فتحت من أبـواب وزوايا نقد وإثارة الكراهية لهذا الطرف أو ذاك، هي مجمل ما يمكن أن نستشفّه من قصـر نظـر ثقافي ساهم فيها مثقفون وأدباء وأشباه أدباء للتحريض وتلوين الصورة بأبعاد ثلاثية ورباعية وخماسية، من دون فحص القصة من جذورها التي جاء بها الربيع الأسود العربي في منقلباته الدرامية المعروفة قبل سنوات.

القضية ليست نمريـة تماما كما يصورها البعض مثلما هي ليست سعودية – إيرانية بالضبط، فالموضوع متوقع منذ فترة غير قصيرة، والمتوقع المقبل أكثر من هذا ربّما في مستواه السياسي المتعفن، والحالة الثقافية المتداخلة والمرافقة للسياسي دون وعي يشعلها مثقفون متطرفون يُحسبون على هذه الطائفة أو تلك، مساهمين مع السياسيين في إشعال المجتمعات بشرارات الفتنة الطائفية وتقويض المسلك الثقافي الأكثر سلاسة في التعامل مع هكذا حالات، متناسين أن اللعبة كبيرة وضخمة كالكرة المتدحرجة ببطء التي ستكتسح الطوائف ومثقفي اللحظة وبياعي الكلمات الرنانة من أولئك الطائفيين المعتاشين على نفايات السياسي المتطرف، هنا أو هناك.

نمر النمر هو حالة من حالات العنف الطائفي الذي يجتاح المنطقة شأن غيره من رجال الدين المعروفين وغير المعروفين في الأزمة الشرق أوسطية التي يتكاثر فيها أمراء الحروب وميليشيات الطوائف وجيوش التتار الداعشية العالمية التي خلطت الأوراق بطريقة عجيبة وغريبة، كما يتكاثر فيها رجال الدين الذين خرجوا من أنفاق الأرض وسبـات السنوات الطويلة التي كانوا محجورين فيها. لتتكاثر معهم فتاوى القتل والذبح والتكفير وتتشكل فرق الإرهاب والرعب.

ليس المطلوب من المثقف أن يمتشق سيفه ويحارب طواحين الهواء. وليس المطلوب منه أن يخترق جيوش الاحتلال. وليس المطلوب منه الكتابة بالبندقية، فهذه رومانسيات غير واقعية في هذا العصر المختَرَق بطوله وعرضه، لكن التوازن مطلوب وبُعد النظر مطلوب، ومواجهة الحياة الجديدة بعولمتها المتشابكة مطلوبة بالقدر الذي يمكن فيه الحفاظ على ثوابت الهوية الوطنية وتاريخيتها.

نحسب أن المثقف كصوت منفرد في المجتمع أن يقرأ الغد قبل اليوم؛ فاليوم هو واقع ونتيجة لا مناص من الإقرار بهما لكن يجب استخلاص الدروس منهما لتقل خسائر الغد، أما إذا بقينا نركض وراء الصوت الطائفي في كل مرة فنعتقد أن الأمور ستصل إلى طرق مخيفة وحرجة.

كاتب من العراق

14