نمو الإرهاب والجماعات المتطرفة في المنطقة

الأربعاء 2015/04/22

شهد مطلع القرن الواحد والعشرين أكبر المعارك المفتوحة ضد الإرهاب، وتنظيمه المحوري آنذاك القاعدة، عبر تحالف دولي واسع غير محدد الأطر والأطراف، كل دولة كان لها دور ونصيب في مواجهته ومكافحته على طريقتها، وبما يخدم إستراتيجياتها ومدى تأثرها بالتطرف الإسلامي، وانعكاسات سياساتها المحلية والإقليمية في ذلك. وطوال ما يزيد على خمسة عشر عاماً، تضاعف انتشار قوى التطرف، من حيث أنشطتها وتنظيماتها المختلفة في المنطقة، دون أن تحقق الحرب على الإرهاب، أية نتائج فعّالة في تحجيمها، وتجفيف منابعها.

سنّت عديد الدول قوانين جديدة لتشريع تعاطيها مع التطرف الذي انتشر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكن تلك الأنظمة كرّست جهودها في اتجاهين أساسيين، هما احتواء الجماعات الإسلامية بقصد تجنب مخاطرها، والاستفادة منها أمنياً في الوقت ذاته، بمعنى توظيف إشكالياتها ومعلوماتها في دوائر العلاقات الإقليمية والدولية، خاصة منذ أحداث 11 سبتمبر. أما الاتجاه الآخر فقد تمحور في مصادرة الحريات العامة وتقويض مساعي التغيير الديمقراطي بدعوى محاربة الإرهاب، واستهدفت في ذلك شرائح العمل الفكري والسياسي، التي لا تتوافق مع أهواء الأنظمة، من اليمين واليسار على حدّ سواء. وكانت من نتائجه انتهاكات واسعة للحقوق والحريات.

شكلت تلك السياسات مناخات ملائمة لنمو جماعات الإسلام السياسي، استناداً إلى تناقضها مع الأنظمة الحاكمة، مستغلة ذلك في إعادة بنيتها التنظيمية رغم الحظر والملاحقة، مع الإبقاء على ثوابتها الفكرية، والتزامها العمل السري المنظم، والعلني لاحقاً، بغطاء دولي تأسيساً على الحق في تكوين الجمعيات والعمل السياسي، الذي لقيت دعماً بشأنه في مواجهة حرمانها من تلك الحقوق، في الوقت الذي كان فيه الغرب، يستخدمها أوراقاً ضاغطة على أنظمة الاستبداد في دول الربيع العربي.

كانت حركة الإخوان تقود حركة الإسلام السياسي، لأكثر من نصف قرن، قبل أن تعتبر المنبت الأساسي لحركات ومنظمات الإرهاب في المنطقة وتصنّف كتنظيم إرهابي، بعد سلسلة من الصراعات على السلطة، وانتشار السلاح والفوضى، والجنوح نحو ترجيح كفّة العنف المسلح، في كل من ليبيا وسوريا واليمن، مع ملاحظة تجربتها في كل من تونس على خصوصيتها ومصر بما آلت إليه.

خلال السنوات الثلاث الأخيرة، طوّرت تنظيمات التطرف المسلحة من آليات انشطارها، وانتشارها الجغرافي بشكل متلاحق وسريع، مستفيدة من ظروف الفوضى وانتشار السلاح، واستطاع تنظيم القاعدة في العراق والشام، أن يجدد نفسه، كقوة جاذبة، وأن يرسم إستراتيجية لنشر الإرهاب تشمل كامل المنطقة الممتدة من العراق وسوريا، باتجاه ليبيا وتونس.

لاشك في أن سياسات الاستبداد هي عامل جذبٍ ومنتجٍ لقوى الإرهاب، يضاف إليها موقف الغرب من قضايا المنطقة، وتالياً ضعف وترهل الإستراتيجية الدولية في مكافحة الإرهاب، منحت تنظيمات التطرف والعنف المسلح، بمسمياتها المختلفة قوة لبناء العامل المشترك لهذه الجماعات. ولكن ما هي عوامل القوة الأخرى التي مكنتها من هذا التطور؟

يشكل وجود أنظمة حاضنة ومولّدة، مصدر قوة أساسي لها، داعمة من حيث التكامل الوظيفي، كالنظامين السوري والعراقي، وحليفتهما إيران. وذلك بصورة مباشرة عبر تبادل المنافع المتأتية من طبيعة الصراعات القائمة في سوريا والعراق، وكذلك في ليبيا، حيث تشكل فجر ليبيا حاضناً لقوى التطرف الإسلامية المسلحة، ووليداً شرعياً لها. وتتمتع جميعها بغطاء سياسي من الجذور المكونة للإسلام السياسي في المنطقة، بما في ذلك الدعم المتعدد الذي تحظى به، مباشرة، أو مواربة من قوى إقليمية (تركيا وقطر على سبيل المثال) تؤمّن لها المساندة اللوجستية والتدفق المالي.

والواقع، فإن العامل الجغرافي يلعب دوراً كبيراً في تمكينها من السيطرة على مناطق حيوية في سوريا والعراق، تمنحها حرية في العمل والتطور، وحكم الجماعات المحلية، عبر قوانين تفرض سلطتها، تستوفي مكونات “الدولة”، وتستثمر ذلك في تأكيد دورها وفاعليتها من حيث إدارة موارد المنطقة وتحصيل الضرائب وبيع النفط والمنتجات الزراعية الإستراتيجية، الأمر الذي وفر لها مصادر تمويل مهمة، إضافة لأموال الفدى وتجارة السلاح وتهريب الآثار والاتجار بها، ومصادر التمويل المختلفة التي تنتشر عبر شبكات استثمارات تجارية وخيرية إسلامية، عبر العالم، كانت تقارير أميركية وبريطانية أشارت إلى مصادرها، وإلى دور كل من تركيا وقطر وإيران في ذلك.

تمتلك جماعات الإسلام السياسي، والتنظيمات المتطرفة، علاقات تشبيك متينة فيما بينها، حتى في ظل الاختلاف العام في أساليب العمل، والصراعات الناجمة عن كسر الإرادات، تسمح لها بمواجهة التحديات، واستيعاب التطورات الجارية في المنطقة، بل أصبحت هي القوى التي تصنع التغيرات، في ظل تخبط دولي ومواقف غير حاسمة في مواجهة الإرهاب المتنامي في المنطقة، وهذا يتطلب مواقف دولية صريحة، ترتبط بخطط عمل واضحة لمعالجة البؤر المنتجة للتطرف، في سوريا والعراق وليبيا، بصورة جذرية.

كاتب سوري

9