نميمة أصيلة

الأربعاء 2015/01/07

لا أحن للقهوة بتاتا، لأن أمي -رحمها الله- كانت تصنع شايا شهيا في الصباح، والقهوة التبست لديّ بالفضاء الطافح دخانا، لم تكن مشروبا ذكيا بل مكانا، ولسنوات عديدة تساءلت بيني وبين نفسي، لمَ سميت المقهى “قهوة” في تعبيرنا الشعبي؟ بل لمَ هي “مقهى” في العربية الفصحى، ولم تكن “مشاي”؟ أنا متأكد أن الفضاء حين اخترقته زجاجات المشروبات الغازية بات لا هو “مغزى” ولا هم يحزنون، بل مجرّد كراسي ونادل ومشروبات هجينة تداري صبوات النميمة.

هل أقول إن القهوة والشاي شيء كلاسيكي، ممهور بنوع أصيل من النميمة؟ إذ للنميمة أصول مرعية، فهي قرينة المقهى، قد توجع ولا تؤذي، وشتان ما بين الوجع والأذى، فالوجع عابر مثلما النشوة، وليد لحظة عابرة، بينما الأذى مقيم في الروح والجسد. ولأن المقهى ركن حسيّ ملوّن بالأبيض والأسود، فقد كانت نميمتها أصيلة، وعابرة، وبدون ندوب، وكان لها “نادل” مرح من لحم ودم. على خلاف المقهى الافتراضي في شبكة الإنترنت، وفي وسائل التواصل الاجتماعية.

أستحضر هنا حادثة ثقافية فارقة، تتعلق بوزير الثقافة المغربي السابق “بنسالم حميش”، الذي كان نهما للعداوة بشتى طبقاتها. لقد شكل مادة رئيسة لشتى مقامات النميمة الثقافية وأصنافها في مقهى الحي. لكن في يوم ما تحوّلت تلك النميمة من المقهى إلى النادي الافتراضي، وإذا بأحدهم يكتب بلاغا صحفيا مزورا يخبر فيه الرأي العام أن الروائي “بنسالم حميش” أصدر رواية جديدة عنوانها: “مجنون سمية”، بلاغ تطرق صاحبه إلى حبكة روائية بذاتها وشخصيات وفضاءات محدّدة. قصد البلاغ -بطبيعة الحال- أن يكون مجرّد نكتة تليق بسمر ليلي، لو قيل مشافهة في “مقهى” لكان ملحة سائغة، لكن التداول الافتراضي حوّل الملحة إلى “فضيحة”، وإذا بصحيفة الحياة اللندنية تنشره على صدر صفحتها الثقافية، ووكالة المغرب العربي للأنباء تدرجه ضمن موادها الثقافية الجديدة، كان ثمة شيء مرعب في هذه الحادثة، يتجاوز الضغينة والنكتة والنميمة إلى تخريب مجال التواصل.

الشيء الأكيد أن الوزير والروائي والشاعر المفترض، مجنون بالصفة والسليقة، والأمر لا يحتاج لا إلى “سمية” ولا إلى بلاغ صحفي، هو شأن مفروغ منه وتكفيه النميمة المرطبة بطلبات النادل، فظهر النميمة لا يحتمل قلب ظروف الاعتقاد والتصديق وتبديد سياقات الجدّ، لأن الأذى يتجاوز المقصود بذاته إلى علة القصد وآلته، فنُضحي في النهاية دونما نميمة حقيقية أصيلة، تعطينا نفسا لبذل البقشيش للنادل.


كاتب من المغرب

15