نهاد المشنوق هل يطاله مقص الحريري ويحال إلى مقهى التاريخ؟

وزير سنّي إشكالي يحمّله عون مسؤولية فضيحة التجنيس، وتوقعات بوصول مقص الحريري إليه بعد قرار فصل النيابة عن الوزارة.
الأحد 2018/06/10
هل يأفل نجم المشنوق

ليس سهلا على وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال نهاد المشنوق الخروج من دائرة الأضواء، بعدما كان مالئ الدنيا وشاغل الناس لفترة طويلة، من خلال الحكومتين المتعاقبتين للرئيسين تمام سلام وسعد الحريري.

غير أن هذه المرة لن تكون الأولى التي يضطر فيها المشنوق إلى الانكفاء وراء الستارة والعودة للعب الأدوار التي برع في ممارستها أثناء عمله مع الرئيس الراحل رفيق الحريري، مستشارا إعلاميا وسياسيا ومروّجا للمشاريع والأفكار والبرامج التي حوّلت رجل الأعمال والمقاولات الناجح إلى زعيم سياسي ورقم صعب في كل المعادلات اللبنانية.

وإذا ظل الرئيس سعد الحريري على قراره بفصل النيابة عن الوزارة في “تيار المستقبل” فذلك يعني أن المشنوق الفائز بمقعد نيابي عن دائرة بيروت الثانية في الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، لن يتمكن من العودة إلى كرسي الداخلية، وسيتخلّى عن الموقع الذي للأمانة يجب الاعتراف له بأنه أحسن إدارته ونجح في تعزيز الاستقرار الأمني من خلال رعايته المباشرة لفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي الذي يعتبر نفسه بمثابة الأب الروحي له بعد اغتيال صديقه اللواء وسام الحسن.

الموفد السري

قرار الحريري بفصل النيابة عن الوزارة في "تيار المستقبل" قد يعني أن المشنوق لن يتمكن من العودة إلى كرسي وزير الداخلية
قرار الحريري بفصل النيابة عن الوزارة في "تيار المستقبل" قد يعني أن المشنوق لن يتمكن من العودة إلى كرسي وزير الداخلية

بدأ المشنوق المولود في بيروت في العام 1955 حياته العملية في منتصف سبعينات القرن الماضي صحافيا في جريدة “بيروت المساء” التي أسسها عمه الراحل عبدالله المشنوق والد وزير البيئة السابق محمد المشنوق، ثم زاول المهنة في مجلة “الحوادث”، وتخصص في الكتابة في الشؤون العربية وبخاصة قضية الصراع العربي – الإسرائيلي ما فتح له المجال لتعزيز علاقاته بالقيادات الفلسطينية، وتحديدا هاني الحسن الذي ارتبط معه بعلاقة صداقة وثيقة، كما كتب في كل من “الأسبوع العربي” و”الصياد” و”الأنوار” و”الدستور” إلى أن استقرّ في مجلة “النهار العربي والدولي” قريبا من رئيس تحريرها الراحل جبران التويني حتى العام 1983 إذ تفرّغ للعمل مع “اللقاء الإسلامي” الذي أسسه المفتي الراحل الشيخ حسن خالد.

غير أنه مع اغتيال المفتي خالد والعضو الفاعل في اللقاء وزير الداخلية السابق الراحل ناظم القادري، ومع اضطرار صديقه رئيس الحكومة الراحل تقي الدين الصلح الرحيل إلى فرنسا، غادر المشنوق لبنان وانتقل للإقامة بين قبرص وباريس، حيث تعرّف إلى الشهيد رفيق الحريري في العام 1988 وأصبح من مساعديه المقربين.

بنك الداتا الخطر

يقول المطلعون على ظروف إقرار “وثيقة الوفاق الوطني” في مدينة الطائف السعودية، وحتى بعض النواب الذين شاركوا في إقرارها ولا يزالون أحياء، أن المشنوق كان يتنقل موفدا من الحريري بين غرف الفندق الذي اختير مقرا للنواب اللبنانيين، حاملا رسالة إلى أحدهم، وناقلا تمنيا إلى آخر، ومشاركا في معظم الاجتماعات التي سبقت إقرار الاتفاق.

كانت تلك المرحلة بداية صعود نجم المشنوق فعليا، الذي عاد إلى بيروت وباشر بالترويج لمشروع إعادة بناء وسط بيروت المعروف بـ”سوليدير” وساهم في إقرار القانون التأسيسي له في مجلس النواب بالطريقة نفسها التي ساهم فيها في إقرار اتفاق “الطائف”.

ومع تكليف الحريري رئاسة أولى حكوماته في العام 1992، تولى المشنوق منصب المستشار الإعلامي للرئيس الشهيد وأًصبح بمثابة ظله في جميع تنقلاته الداخلية والخارجية، والمؤتمن على أسراره وعلاقاته وبخاصة العربية منها.

غير أن هذا الواقع الذي استمر فيه المشنوق لفترة 6 سنوات، لم يرق في نهاية المطاف لسلطة الوصاية السورية الحاكمة في لبنان، فأوعز رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في حينها اللواء غازي كنعان إلى الحريري بضرورة إبعاد المشنوق عنه، بعد “فبركة” معلومات استخبارية حوله تتعلق بماضيه وعلاقاته مع القيادات الفلسطينية، فاضطر المشنوق مكرها الانتقال إلى القاهرة ومن ثم إلى باريس وانكفائه عن الأضواء والعمل السياسي حتى العام 2003.

حين ينقلب السحر على الساحر

وبرعاية مباشرة من الرئيس الحريري، ساهم نائب رئيس الحكومة السابق ميشال المر، بعلاقاته المميزة مع النظام السوري، بعودة المشنوق إلى بيروت والتزام منزله وعدم العمل في الشأن السياسي، وظل على هذه الحالة حتى انسحاب الجيش السوري من لبنان في العام 2005 عقب اغتيال الرئيس الحريري.

فجأة عاد المشنوق إلى سيرته الأولى، حيث باشر في كتابة مقالات أسبوعية في صحيفة “السفير”، والرجوع إلى دائرة الأضواء من خلال هذه الكتابات التي كانت تحتوي على كم كبير من المعلومات وهو ما تميّز به المشنوق، إذ أن “بنك الداتا” الذي بحوزته كفيل بكشف أقنعة الكثير من رجال السياسة والأعمال الذين كانوا يمرّون عبره للوصول إلى الرئيس الشهيد، ويفضح سيرتهم المغطاة بأوراق التين.

وظل المشنوق على هذا المسار حتى نسج خيوط عودته إلى الحياة السياسية بالكامل، فقرر الترشّح إلى الانتخابات النيابية في العام 2009 عن دائرة بيروت الثانية على لائحة “ابن الغالي” كما يسميه، الرئيس سعد الحريري، فدخل إلى الندوة البرلمانية للمرة الأولى بعدما كان يعايشها ويعرف أسرارها منذ العام 1989، وحمل لقب “صاحب السعادة”.

ونتيجة الانتخابات والاستشارات النيابية الملزمة التي أجراها الرئيس ميشال سليمان، كلّف الحريري تشكيل حكومته الأولى بعد حصوله على أصوات 86 نائبا، لكن العقبات التي كان يصطنعها رئيس “التيار الوطني الحر” في حينه الجنرال ميشال عون مدعوما من “حزب الله” والتي وصلت إلى حد مجاهرته بالقول “إذا لم يوزّر جبران باسيل (صهر عون والخاسر في الانتخابات النيابية) عمرها ما تتشكل الحكومة”، فأمضى الحريري 5 أشهر في مشاورات أفضت بالنتيجة إلى تشكيل حكومة حصل فيها فريق “8 آذار” المؤيد لسوريا على بدعة “الثلث الضامن” والتي كان يعارضها المشنوق بقوة.

المشنوق يعرف كأحد صقور "تيار المستقبل" إلى جانب رئيس "كتلة المستقبل" النيابية الرئيس فؤاد السنيورة، فقد كان يرفع الصوت عاليا ضد سلاح "حزب الله" الذي استخدم في الداخل، رافضا عودة الوصاية السورية والتبعية لإيران، وكانت أسهم المشنوق قد ارتفعت إلى درجة أن البعض راح يروج أن الخطوة التالية له ستكون رئاسة الحكومة

ثبت أن المشنوق كان على حق، حيث اضطر الحريري إلى الخروج من الحكومة بعد استقالة ثلث حكومته أثناء دخوله إلى البيت الأبيض لمقابلة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، فدخلت بعدها البلاد في مرحلة تخبّط وفوضى سياسية كبيرة أعادت إلى الأذهان ذاكرة الحرب الأهلية السيئة الذكر.

وكان أن أجرى الرئيس سليمان استشارات نيابية على وقع تظاهرة “القمصان السود” التي سيّرها “حزب الله” وأفضت إلى تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة الثالثة في عهد سليمان، و أمضى أيضا خمسة أشهر قبل النجاح بتشكيلها.

وفي تلك المرحلة التي اضطر فيها الحريري إلى الغياب الطوعي عن لبنان نتيجة الظروف الأمنية التي كانت تتهدده، برز المشنوق كأحد صقور “تيار المستقبل” إلى جانب رئيس “كتلة المستقبل” النيابية الرئيس فؤاد السنيورة، وراح يرفع الصوت عاليا ضد سلاح “حزب الله” الذي استخدم في الداخل، ورفض عودة الوصاية السورية والتبعية لإيران، فارتفعت أسهم المشنوق إلى درجة أن البعض راح يروّج أن الخطوة التالية له ستكون رئاسة الحكومة.

تولّى المشنوق وزارة الداخلية، فيما عهد إلى المدير السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي وزارة العدل. وهنا كانت الطامة الكبرى، حيث أن من كان يفترض أنهما شريكان في مواجهة “العدو” الواحد، أي “حزب الله” وسوريا ومن خلفهما إيران، وانقلب السحر على الساحر وتحوّل المشنوق وريفي من حلفاء إلى “أعداء”.

راح ريفي يتهم المشنوق بأنه يدعم مجموعات مسلحة في عاصمة الشمال طرابلس، تعمل على زعزعة الاستقرار الأمني وتأليب أبناء المدينة ضده، بعدما بدأت شعبيته تعلو نتيجة مواقفه المعارضة بشدة لهيمنة سلاح “حزب الله” على الداخل، في حين كان المشنوق يدعو مسؤول لجنة الارتباط والتنسيق المركزية في “حزب الله” الحاج وفيق صفا لحضور اجتماعات مجلس الأمن المركزي، والجلوس إلى الكرسي نفسه التي كان يشغله “صديق” المشنوق الحميم رئيس فرع المعلومات اللواء وسام الحسن الذي اغتيل في العام 2012، وهي مسألة لم تكن من السهل على المشنوق تبريرها أمام منتقديه من أبناء البيت الواحد، بعدما أًصبح “مسؤولا عن أمن جميع اللبنانيين”، فراحوا يتهمونه بأنه يسعى إلى تقديم أوراق اعتماده لدى “حزب الله” لتسهيل وصوله إلى الكرسي الثالث في الجمهورية اللبنانية.

مالئ الفراغ السني والخديعة

ساهمت استقالة ريفي من حكومة سلام التي أصبحت بعد انتهاء ولاية الرئيس سليمان، حكومة تصريف أعمال، وحكومة “الرؤساء الثلاثين”، في صعود أسهم المشنوق الذي تمكن من تمرير مرحلة الفراغ الرئاسي بهدوء أمني، ولعب دور ناقل رسائل بين الحريري ورئيس “التيار الوطني الحر” ميشال عون الذي كان سببا رئيسيا في دخول لبنان مرحلة الفراغ نتيجة تشبثه وتشبث “حزب الله” بترشيحه إلى الرئاسة بوجه “حليف” الحريري والمشنوق رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع.

وبعدما قيل أن المشنوق عمل من خلال اجتماعاته بعون، ومن خلال الدور الكبير الذي لعبه مع نادر الحريري مدير مكتب الحريري، على إيصال عون إلى بعبدا، فإن الترجمة الفعلية لهذا الكلام كانت عودة المشنوق إلى وزارة الداخلية في الحكومة الأولى التي شكلها الحريري في بداية عهد الرئيس عون في العام 2017.

وكلّف المشنوق من خلال وزارة الداخلية الإشراف على إجراء الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في يونيو من العام نفسه، غير أن فشل الفرقاء السياسيين في التوصل إلى قانون انتخابي جديد، سمح للمجلس النيابي بتمديد ولايته إلى مايو 2018، وللمشنوق في الاستمرار على رأس وزارة الداخلية للإشراف على إجراء هذه الانتخابات، التي تمت وأوصلت فريقا من 79 نائبا جديدا إلى المجلس، والتجديد لباقي الوجوه القديمة ومن بينها المشنوق الذي أثيرت حول حلوله في الرتبة السادسة والأخيرة بين المقاعد السنية، شكوك أقلها التلاعب بالنتيجة وتزويرها لضمان فوزه، خصوصا أن خصوم الحريري السياسيين تمكنوا من خرق لائحته بأربعة مقاعد، وهو ما أثار حفيظة الحريري وبدأ بمرحلة محاسبة المسؤولين عن التقصير في تياره السياسي.

فريق المستقبل يأخذ على المشنوق دعوته مسؤول لجنة الارتباط والتنسيق المركزية في "حزب الله" لحضور اجتماعات مجلس الأمن المركزي. في ما بدا وكأنه تقديم أوراق اعتماد لدى الحزب طمعا برئاسة الحكومة
فريق المستقبل يأخذ على المشنوق دعوته مسؤول لجنة الارتباط والتنسيق المركزية في "حزب الله" لحضور اجتماعات مجلس الأمن المركزي. في ما بدا وكأنه تقديم أوراق اعتماد لدى الحزب طمعا برئاسة الحكومة

وبعدما قيل أن نادر الحريري كان أول ضحايا المحاسبة، اتجهت الأصابع صوب المشنوق الذي خسر بقرار من الحريري نفسه مساعده اللصيق في الداخلية على مدار الولايتين الحكوميتين ماهر أبوالخدود، كما تلوح في الأفق إمكانية وصول مقص الحريري إلى المشنوق شخصيا على اعتبار أن رئيس “تيار المستقبل” قرّر فصل النيابة عن الوزارة، ما يعني استبعاد المشنوق عن الحكومة الجديدة التي كلّف الحريري بتشكيلها في الشهر الماضي.

خلال ولايته الحكومية، وجهت بعض الاتهامات بالفساد إلي المشنوق، من دون وجود أي دليل مادي عليها. إلا أن الشعرة التي “ستقصم ظهر البعير” ستكون من دون شك محاولة العديد من الفرقاء السياسيين، من بينهم فريق رئيس الجمهورية نفسه الذي يعتبر أنه “تعرّض للخديعة”، تحميل المشنوق مسؤولية مرسوم الجنسية المثير للريبة الذي وقعه عون والحريري ومنح من خلاله الجنسية اللبنانية إلى مقربين من رئيس نظام القتل والإجرام في سوريا، وهو رد على هذه المحاولات بهجوم استباقي استدعى خلاله مدير جهاز الأمن العام اللواء عباس إبراهيم وطلب منه التدقيق في جميع الأسماء الواردة في المرسوم وأحقيتها في الحصول على الجنسية اللبنانية.

من يعرفون الوزير المشنوق عن كثب، يتندرون بحس الفكاهة التي يملكها، وإنسانيته التي تغلب في الكثير من الأحيان على قراراته، ومن ينتقدونه فلمظهره الجدي ونظرته المتعالية والتي إن كان هناك ما يبررها كموقع المسؤولية الأمنية التي يتولاها، لكن مستقبله السياسي، مع ذلك، ما يزال مجهولاً وسط كل تلك التناقضات.

فمن ينسى أن المشنوق ذاته انتقد السعودية قبل عامين فقط، حين قال إن “السياسة السعودية في العهد السابق دفعتنا إلى خيارات لم نرض بها ومنها زيارة الرئيس سعد الحريري لسوريا” مشيرا إلى اضطرار الأخير إلى لقاء بشار الأسد في دمشق آنذاك. وحينها نشرت صحيفة “العرب” اللندنية تصريحات لمسؤول سعودي بارز قال فيها إنه “لولا مواقف الملك عبدالله بعيد اغتيال الرئيس الحريري لكان نهاد المشنوق في منفاه الأوروبي أو في سجن تدمر، لا عضوا في الحكومة اللبنانية”.

8