نهاد قلعي كاتب وممثل خلق نجوم الكوميديا السورية

السبت 2015/06/20
نهاد قلعي الأيقونة ضحية مبكرة للـشبيحة

كاتب ومخرج وممثل كوميدي سوري، رافق التلفزيون السوري منذ نشأته، وعمل في السينما في وقت مبكر، له نحو 25 فيلماً سينمائياً، والعديد من الأعمال المسرحية، كان طيّباً كريماً وحسن المعشر، لم يكن النفاق من ضمن صفاته، لا للسلطة ولا للفنانين، رفض أن يكون أراجوزاً في بلاط السلطان أو تابعاً من توابعه الكُثر، وفضّل أن يبقى بعيداً عن هذا الجو ليمرر ما يحلو له من أفكار سياسية لاذعة واجتماعية هامة بمهارة، ولم يخطر له مرة أن يعمل من أجل المال، فكان صادقاً على قدر صدق إبداعه، ولكل هذا، كان ضحية مبكرة لـشبيحة النظام السوري.

نهاد فلعي، المؤسس الفعلي للمسرح القومي في سوريا وصانع نجوم الكوميديا ومحدد وراسم شخصياتها، وُلد في العاصمة دمشق عام 1928 لأسرة دمشقية عريقة بالفن والأدب، فعمه الأديب بديع حقي، وأمه بدرية العطري ابنة عم أديب الصحفيين عبدالغني العطري، وخاله الفنان توفيق العطري أحد آباء المسرح في سوريا. اسمه الأصلي نهاد قلعي الخربوطلي، وعُرف بلقبه الفني “حسني البورظان”، بدأت موهبته بالظهور في المسرح المدرسي وهو دون العاشرة من عمره، فأسند له الفنان وصفي المالح دوراً صغيراً في مسرحية “مجنون ليلى”، وفي الثامنة عشرة من عمره بدأ مشواراً مختلفاً.

بعد أن أكمل دراسته الثانوية كان والده قد أُحيل إلى التقاعد فاضطر لترك المدرسة، لكن لأنه مولع بالتمثيل، انتسب إلى معهد التمثيل بالقاهرة، وشجعه على ذلك خاله الفنان توفيق العطري الذي اكتشف موهبته فأقنع والدة نهاد أن تبيع ما تملك لتأمين ما يلزم لسفر ابنها، وقبل سفره للقاهرة بأيام سُرقت منه النقود التي كان سيسافر بها فاضطر للتخلي عن فكرة السفر والبقاء بدمشق، فعمل مراقباً في معمل للمعكرونة ثم ضارباً على الآلة الكاتبة في الجامعة ومساعداً لمخلّص جمركي.

ثمن الحرية

كان أول إسهام مسرحي له بعمر الـ16 في مسرحية “قيس وليلى” إلى جانب الفنانين تيسير السعدي ووصفي المالح، وكان دوره صغيراً لا يتعدى النطق بجملة واحدة، وفي سن الخامسة والعشرين أسس النادي الشرقي، وهو تجمع مسرحي شاب ضم فنانين سوريين روادا مثل خلدون المالح وعادل خياطة وسامي جانو، ونجح في تقديم مسرحيات في مسارح دمشق والقاهرة.

قدّم في العام 1957 مسرحية “ثمن الحرية” لعمانوئيل رويلس إلى جانب الفنانة أمينة رزق، بداية عهد الوحدة السورية المصرية، وشهدت إقبالاً جماهيرياً فحصل على الشهرة، ما دفع وزارة الثقافة والإرشاد القومي السورية عام 1959 إبان فترة الوحدة لأن تكلّفه بتأسيس المسرح القومي وإدارته.

يعتبر قلعي بلا منازع المؤسس الحقيقي للمسرح القومي في سوريا، أنتج لمسرح “أبو خليل القباني” بدمشق خمس مسرحيات حتى العام 1962، بعضها من إخراجه وبطولته، مثل “المزيفون” لمحمود تيمور، “ثمن الحرية”، “البرجوازي النبيل” لموليير، “عقد اللولو” و”المفتش” لغوغول.

أسّس مع دريد لحام وآخرين أوائل السبعينات فرقة “تشرين المسرحية”، وقدموا من خلالها عروضاً بقيت في الذاكرة الجماهيرية، كمسرحية “ضيعة تشرين” التي تناولت واقع وأحلام الشارع العربي والأنظمة الحاكمة إبان حرب تشرين عام 1973، و”غربة” لمحمد الماغوط، التي تطرّقت بنقد للشعور بالغربة في المجتمع العربي اجتماعياً وسياسياً، وضمن ما سمي بـ”مسرح الشوك” قدّم ثلاث مسرحيات ذات طبيعة اجتماعية سياسية ساخرة.

عند انطلاق بث التلفزيون العربي السوري في العام 1960 يستدعيه الراحل صباح قباني، وهو أول مدير للتلفزيون، لتقديم برامج منوعة كوميدية، وهنالك يتعرف نهاد قلعي لأول مرة على الممثلين الشباب دريد لحام ومحمود جبر، لتبدأ شهرته التلفزيونية الكبرى في العام 1967 حين كتب المسلسل الشهير "حمام الهنا" ومثله مع دريد لحام وياسين بقوش

تعرّض نهاد قلعي لحادث عنيف، أقعده في الفراش شبه مشلول، لكنه تحامل على آلامه وشارك في مسرحية “غربة” التي كانت آخر أعماله.

لم يستسلم الرجل لقدره، فاعتكف في الثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين لتأليف قصص مصورة للأطفال ليعيل أسرته، وأقام بيروت بغرفة متواضعة، واستخدم في قصصه شخصية “حسني البورظان” وشخصيات أخرى مُتخيّلة.

حارة كل مين إيدو إلو

عند انطلاق بث التلفزيون العربي السوري في العام 1960 استدعاه الراحل صباح قباني، وهو أول مدير للتلفزيون، لتقديم برامج منوعة كوميدية، لتبدأ شهرته التلفزيونية الكبرى في العام 1967 حين كتب المسلسل الشهير “حمام الهنا” ومثّله مع دريد لحام وياسين بقوش، وبعدها بعام واحد قدّم مسلسله الثاني “مقالب غوار” مع لحام ورفيق السبيعي، وفي العام الذي تلاه قدّم مسلسله الثالث “صح النوم” بجزأيه الأول والثاني ودائماً مع لحام والمخرج خلدون المالح، وحقق في هذه المسلسلات جماهيرية واسعة.

التقى نهاد قلعي بالشاب دريد لحام في مبنى التلفزيون السوري، فأطلق عليه اسم “غوار مشعل الطوشة”، مستخدماً الاسم الأول لأحد مُستخدَمي التلفزيون البسطاء، فيما اختار له لقباً مناسباً للشخصية التي رسمها له، وهي شخصية كوميدية حددت مسار دريد لحام الذي كان مغموراً حين ذاك، ولم يخطر بذهن قلعي أن يستأثر بالمُنجز التلفزيوني الذي كان هو كاتبة ومبدعه، فكتب مقالب لم يكن هو النجم الأول فيها، ترك النجومية الأولى لدريد لحام وآخرين، واخترع حارة “كل مين إيدو إلو” كساحة وطن لشخصياته، ووفق الفنان ياسين بقوش فإن قلعي قال إن حسني البورظان يمثّل الفكر العربي، وشخصية “غوار الطوشة” يمثل التآمر على الفكر العربي، وشخصية “أبو عنتر” هي عضلات ذلك التآمر، وشخصية “فطوم حيص بيص” هي الأرض العربية، وشخصية “ياسين بقوش” هي الإنسان العربي البسيط.

تمرّد لحّام على إدارة نهاد قلعي الفكرية له، وقال أصدقاؤهما فيما بعد إن لحام لم يحفظ الخبز والملح، وحاول فيما بعد استغلال كل ما يملكه قلعي من إبداع وفكر وقدرات كتابية لينسبها لنفسه، دون أن يعطيه جزءاً بسيطاً من حقه المعنوي أو المادي، وهو ما لم يقف عنده قلعي كثيراً، فهو بالأساس لم يكن يهتم بالمال، ويعرفه أصدقاؤه وزملاء مهنته أنه زاهد بالمال حريص على الفن.

ترافقت بداية شهرة قلعي مع فورة استثمار القطاع الخاص السوري بصناعة السينما، التي كانت تُحقق إيرادات استثمارية كبيرة مغرية، فشارك عام 1964 في أول فيلم سينمائي له مع دريد لحام والمطربين فهد بلان وصباح بعنوان “عقد اللولو” من إخراج يوسف المعلوف وإنتاج نادر الأتاسي، وبعد نجاح الفيلم قرر المنتج والمخرج إعادة التجربة مع نفس الثنائي دريد ونهاد في فيلم “لقاء في تدمر” في العام 1965، وهو من تأليف الثنائي، وشاركتهم البطولة حينها هالة شوكت، ليقدما عدة أفلام مع الفنانين صباح، فريد شوقي، نيللي، شادية، نجلاء فتحي ونادية لطفي، كما تعاون مع المخرجين نيازي مصطفى، عاطف سالم، يوسف عيسى، حسن الصيفي، حلمي رفلة ومحمد شاهين، وفي العام 1975 قرر قلعي تحويل مسلسل “صح النوم” إلى فيلم سينمائي، وكان هذا الفيلم خاتمة مشوار نهاد قلعي السينمائي وآخر فيلم للثنائي الكوميدي السوري الأبرز.

سر الحادث العنيف

عانى نهاد قلعي في السنوات الأخيرة من حياته وحدة قاتلة إذ هجرته الأضواء وأهمله رفاق دربه، وعلى رأسهم دريد لحام، الذي كان لقلعي الفضل الكبير في صناعته، ويذكر أحد أصدقائه أن طبيباً من المشفى التي قضى فيها قلعي أيامه الأخيرة اتصل أثناء بث البرنامج الإذاعي “معكم على الهواء” وقال بلوم شديد لمقدم البرنامج إن الرجل مريض منذ 15 يوماً ولم يأت أحد لزيارته، وبعدها بأيام توفّي قلعي، وبدأت جنازته بعدد قليل جداً من أهله، ليس بينهم ممثلون، لكن الناس العاديين تجمعوا ليودعوه، فانتهت الجنازة بحشود غفيرة، وكان هذا عملياً أهم تكريم يمكن أن يحصل عليه، وأفضل ألف مرة من ذاك الوسام من الدرجة الممتازة الذي منحته له السلطة السورية عام 2008 بعد موته.

في عام 1976 كانت مفاجأة للعاملين بالوسط الفني أن قام الرئيس الأسد الأب بمنح دريد لحام وسام الاستحقاق السوري دون شموله لشريكه قلعي الذي صُدِم لكنه تجاوز الأمر بطيبة خاطر، فهو في الغالب كان قد توقع هذا التهميش من سلطة تريد لفنانيها أن يكونوا أراجوزات عند السلطان، واستغرب المتابعون في ذلك الوقت سبب قبول لحام هذا التكريم، ففيه اغتيال لجهود رفيق دربه.

قلعي يلتقي بالشاب دريد لحام في مبنى التلفزيون السوري، ويطلق عليه اسم "غوار مشعل الطوشة"، مستخدما الاسم الأول لأحد موظفي التلفزيون البسطاء، وهي شخصية كوميدية حددت مسار لحام الذي كان مغمورا حين ذاك، قبل أن يضعه قلعي في الحارة التي اخترعها وسماها حارة "كل مين إيدو إلو" كساحة وطن لشخصياته

في أحد الأمسيات بداية الثمانينات، ذهب نهاد قلعي إلى مطعم في دمشق القديمة برفقة دريد لحام وشاكر بريخان، ومعهم الإعلامي اللبناني جورج إبراهيم الخوري، وخلال الجلسة رفض قلعي إهانة وجّهها له أحد رواد المطعم فانتقده، وكان انتقاده هذا مدمراً ليس للجلسة فقط بل لحياة قلعي كلها، إذ ضربه الرجل بكرسي على رأسه، أدت إلى إصابته بشلل نصفي وقضى بقية عمره شبه مشلول يعاني من مضاعفات سيئة.

قال العديد من أصدقاء قلعي إن من ضربه هو “شبّيح” من عناصر سرايا الدفاع التي أسسها وقادها رفعت الأسد شقيق الرئيس السابق حافظ الأسد والتي عاثت في سوريا فساداً وترويعاً طوال سنوات الثمانينات، ولهذا السبب لم يُلق القبض عليه.

اشتد المرض على نجم الكوميديا السورية وتغلب عليه المرض وتوفي في أكتوبر عام 1993 بعد أن ترك إرثاً سينمائياً ومسرحياً وتلفزيونياً حافلاً، والكثير من السيناريوهات حبيسة الأدراج، بعضها تسرّب واختفى، وبعضها مازال بحوزة ورثته، وبعضها لم يُنجز بشكله الكامل كمسلسل “الأغرار” الذي أنجزه فيما بعد محمد الماغوط تحت عنوان “وادي المسك”.

خيانة الصديق

اعتبر كثيرون أن الاعتداء على الفنان قلعي ليس مجرد حادثة عابرة، فقد كان الكاتب الدرامي العبقري الذي جمع حوله أفضل الممثلين الكوميديين السوريين لينجز تحفاً لم ولن ينساها السوريون والعرب، وربط البعض الحادثة برغبة السلطة السورية في التخلص من الفنانين والكتّاب والنجوم الذين رفضوا التملّق لها والبقاء تحت جناحها، الفنانين الذين لم تستطع شراءهم، وهذا ينطبق على قلعي الذي رفض التملق للنظام أو بيع نفسه، فيما ربطها بعض المقربين من قلعي برغبة شريكه دريد لحام طمس حقيقة أن قلعي هو الكاتب الحرفي المبدع وصانع النجوم، فكان مطلوباً لقلعي الشلل ولغوّار المجد والأضواء.

لام كثيرون دريد لحام لتخليه عن رفيق عمره، فلم يتصل به للاطمئنان عن صحته في السنوات العشر الأخيرة من عمر قلعي، وأدانوا تملق الأول للسلطة ومحاولة نسب المجد له، وتناسيه أن الأعمال الأساسية التي كانت سبباً في شهرته والتي لها قيمة فنية هي من صناعة شريكيه اللذين تهرّب من تاريخهما عن عمد، نهاد قلعي ومحمد الماغوط، حيث يقول النقّاد إنه لم ينجح له عمل بعد وفاتهما.

قلعي ليس أول فنان يتعرض لعنف شبيحة النظام السوري، وليس الأخير، وخلال السنوات الخمس الأخيرة تعرّض عدد غير قليل لاعتداءات من شبيحة النظام وصلت لحد الضرب والتعذيب والاعتقال، فضلاً عن الاعتقال والملاحقات الأمنية، بحجة دعم الإرهاب وتمويله، فيما كان ذنبهم الوحيد مساندة الشعب البسيط الثائر الباحث عن حريته وكرامته، وما زالت سمر كوكش، وزكي كورديللو وغيرهما كثير في أقبية السجون السورية، بينما استطاعت مي سكاف، محمد آل رشي، جلال الطويل، فارس الحلو، جمال سليمان، أصالة نصري، عبد الحكيم قطيفان يارا صبري وكندا علوش وغيرهم الكثير، استطاعوا الهرب خارج سوريا قبل أن تطالهم أيدي وكراسي شبيحة ومخابرات النظام، خوفاً من مصير يشابه مصير قلعي.

كان قلعي فناناً متعدد المواهب، كاتباً ممثلاً مُخرجاً ومديراً للمؤسسات الفنية وصانعاً للنجوم، وليس بعيداً عن الصواب من اعتبره العقل الذي مهد لظهور كوميديا سورية معاصرة وأحد رجال نهضة التلفزيون والمسرح والسينما في سوريا.

15