نهاد مشنوق صقر "المستقبل" ولعبة عض الأصابع مع حزب الله

الأحد 2014/03/30
نهاد المشنوق.. الحرب في لبنان على نار هادئة

بعد جمود سياسي استمر أكثر من أحد عشر شهرا أبصرت النور الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة تمّام سلاّم، وعقدة تمثيل العماد عون في الحكومة ليست الوحيدة التي واجهت ولادة الحكومة، لا بل إن هناك تعقيدات ساهمت مساهمة أساسية في تصعيب مهمة رئيس الحكومة المكلّف وتأجيل إعلان التشكيلة الحكومية أو طرحها على رئيس الجمهورية.

فريق 14 آذار بادر إلى استغلال الأزمة بين سلاّم وعون ليدلي بما عنده من مطالب وزارية حقيقية، الأمر الذي جعل الرئيس المكلّف يجد نفسه أمام مهمة صعبة للغاية إن لم نقل مستحيلة، ودفع رئيس تيار المستقبل الشيخ سعد الحريري بإسمي أبرز المتشدّدين والمتطرّفين في التيار اللواء أشرف ريفي والنائب نهاد المشنوق، مقترحا اختيار أحدهما لوزارة الداخلية في مناورة سياسية مقابل إسناد حقيبة النفط للوزير جبران باسيل من أجل استفزاز حزب الله بالذات وحمله على إعلان رفضه لمثل هذا الاقتراح، وبالتالي إلصاق تهمة إعاقة تشكيل الحكومة بالحزب.


حكومة الأعداء المختلطة


إصرار فريق الثامن من آذار على وجود جبران باسيل في التشكيلة الحكومية، جعل الفريق الآخر أي الرابع عشر من آذار يتمسك بداية بشخصية محددة، أي اللواء أشرف ريفي، وهو ما فجّر المشكلة بين حزب الله والمدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، إضافة إلى مواقف اللواء ريفي الرافضة لأداء حزب الله السياسي في لبنان وقتال عناصره في سوريا إلى جانب قوات النظام، ودعم حزب الله للفصائل الموالية للنظام السوري في طرابلس في ما يعرف بأحداث جبل محسن وباب التبانة.

فوزارة الداخلية حساسة جداً وهي حقيبة أمنية، وبالتالي فإن فريق الثامن من آذار يفضل شخصية حيادية ومقبولة من الجميع تتعامل بشكل موحد مع الضاحية والجنوب وطرابلس وبيروت ولا تكون استفزازية ، كما هو الحال بالنسبة إلى اللواء ريفي. فتم اختيار النائب نهاد المشنوق وزيراً للداخلية.

مشنوق المولود في بيروت عام 1955، والنائب عن بيروت، عضو في البرلمان اللبناني عن كتلة المستقبل الحليف الرئيسي لتكتل لبنان أولا منذ العام 2009، وكان قد بدأ حياته المهنية في منتصف السبعينات في صحيفة “بيروت المساء” التي أسسها السياسي والصحافي الراحل عبدالله المشنوق، ثم عمل في مجلة “الحوادث” الأسبوعية حيث تتلمذ على الأستاذين الكبيرين الراحلين سليم اللوزي ومحمد جلال كشك وتخصص في قضايا الصراع العربي الإسرائيلي.


عضو اللقاء الإسلامي


كتب المشنوق في “الأسبوع العربي” و”الصياد” و”الأنوار” و”الدستور” وراسل “المنار” اللندنية من بيروت إلى أن استقر في “النهار العربي والدولي” حتى 1983، تاريخ تفرغه للعمل مع اللقاء الإسلامي، وساهم في تأسيس “اللقاء الإسلامي” برئاسة المفتي الشيخ حسن خالد عام 1983، وهو الهيئة السياسية المدنية الأهم في منتصف الثمانينات التي دعت إلى إنهاء الحرب الداخلية ووقف الهيمنة السورية على السياسة اللبنانية حتى اغتيال مؤسسها المفتي الشيخ حسن خالد والنائب ناظم القادري عام 1989 بعد نفي الرئيس تقي الدين الصلح إلى باريس، ووفاته هناك، فسافر المشنوق للإقامة في قبرص ومن ثم إلى باريس في أواخر الثمانينات.

بدأ حياته المهنية في منتصف السبعينات في صحيفة 'بيروت المساء' التي أسسها السياسي والصحافي الراحل عبدالله المشنوق، ثم عمل في مجلة 'الحوادث' الأسبوعية حيث تتلمذ على الأستاذين الكبيرين الراحلين سليم اللوزي ومحمد جلال كشك وتخصص في قضايا الصراع العربي الإسرائيلي.

وفي عام 1988 عمل مع الرئيس رفيق الحريري في باريس ثم في بيروت على إقرار القانون التأسيسي لشركة “سوليدير” وتحضير المخططات لتنفيذ المشروع حتى تكليف الشهيد الحريري بتشكيل حكومته الأولى عام 1992 فتولى منصب المستشار السياسي والإعلامي له حتى عام 1998، تاريخ إلزام الأمن السوري للمشنوق بالتخلي عن عمله ومغادرة لبنان، ولجأ إلى باريس والقاهرة، لمدة خمس سنوات قبل عودته إلى بيروت عام 2003 حيث لازم منزله حتى اغتيال الرئيس الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان. فعاد إلى الكتابة السياسية في صحيفة “السفير” اللبنانية، التي نشرت مقالته الأسبوعية، كل يوم اثنين، تحت عنوان “في الأساس″، في الصفحة الخامسة. ونقلتها صحيفة “البيان” الإماراتية، بالتزامن مع “السفير” وذلك حتى عام 2009، وأصبح عضواً في مجلس النواب اللبناني منذ عام 2009، وهو مسؤول العلاقات الخارجية في كتلة “المستقبل”، ومقرر لجنة الشؤون الخارجية النيابية. كذلك هو عضو في لجنة حقوق الإنسان النيابية، بالإضافة إلى كونه عضو مجلس أمناء مؤسسة ياسر عرفات منذ عام 2010.


الحرب الباردة في لبنان


تشهد العلاقة بين حزب الله الشيعي وتيار المستقبل السني في لبنان توترا فاقعا في الفترة الأخيرة، عبرت عنه المواقف الخطابية عالية النبرة الصادرة عن قياديي الحزب ونوابه، فهناك 3 ملفات تحكم العلاقة بين الجانبين: أولها، يرتبط بمخاوف تيار المستقبل من سلاح حزب الله، الذي استخدم في الداخل للمرة الأولى في السابع من مايو (أيار) 2008، واستخدم مرة ثانية لترويع رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط للسير بإسقاط حكومة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، فيما اصطلح على تسميته بـ”القمصان السود”، وثاني الملفات، أزمة سوريا والانقسام الحاد بين تأييد النظام ودعم المعارضة. أما الملف الثالث، والأكثر تعقيدا فيتعلق بتشكيل الحكومات اللبنانية، مع رفض المستقبل تكرار تجربة حكومة “الوحدة الوطنية”.

دفع رئيس تيار المستقبل الشيخ سعد الحريري باسمي أبرز المتشددين في التيار اللواء أشرف ريفي والمشنوق، مقترحاً اختيار أحدهما لوزارة الداخلية، من أجل استفزاز حزب الله بالذات وحمله على إعلان رفضه لمثل هذا الاقتراح.. ولكن الحزب وافق الأمر الذي عكس ضعفه في هذه المرحلة.

مآخذ تيار المستقبل على مشاركة حزب الله في القتال إلى جانب القوات النظامية في سوريا ومواقفه الحادة من هذه المشاركة واتهامه الحزب بمحاولة جر أزمة سوريا إلى لبنان في الشهرين الأخيرين يقابلها حزب الله اليوم برد الصاع صاعين، فاستمرار الاضطرابات السورية التي اتخذت بُعدا طائفيا لا يزال يؤثر في الداخل السياسي اللبناني، فمع استشعار حزب الله المدعوم إيرانيًّا بالقلق من تداعيات سقوط الأسد، بدأ يمارس ضغوطًا قوية على قوى تحالف “14 آذار” السني المعروفة بمواقفها المؤيدة للغرب من أجل إضفاء طابع قانوني على ترسانته الكبيرة، كما يسعى إلى تغيير القانون الانتخابي اللبناني من أجل تسليم القرار السياسي في البلاد لقوى الثامن من آذار، على أمل تقويض خصومه السياسيين الذين فازوا بأغلبية برلمانية في عمليتي الانتخاب الماضيتين، وقد يكررون ذلك الإنجاز في انتخابات 2014.


حسابات ما بعد الأسد


تعمل إيران على دعم موقف حزب الله في إيجاد عمق استراتيجي في لبنان في حالة مغادرة الأسد لدمشق، وإقامته دولة علوية على طول الساحل. وتحاول قوى تحالف 14 آذار مواجهة هذه الجهود الداعمة، لكن تعزيز وضع تحالف14 آذار (خصوم “حزب الله” اللبنانيين) بإضافة زعيم الدروز المؤثر وليد جنبلاط، وأصوات الناخبين المهمة والمتأرجحة التي بإمكانه الحصول عليها. فسابقًا، كان جنبلاط قد ترك تحالف 14 آذار في عام 2009، داعما وصول الخصوم وتشكيلهم حكومتهم، أما الآن، فهو حليف قويّ لتحالف 14 آذار، الأمر الذي يحسن موقف هذا التحالف، موجها ضربة لحزب الله، مما ينبئ بإمكانية تكرار سيناريو عام 2008، عندما غزت عناصر حزب الله بيروت، واستولت على الحكومة من أجل الحفاظ على مميزاتها السياسية والعسكرية.

ظهرت تناقضات المشنوق مع حزب الله فور توليه منصبه بدءا من تصنيفه قرى بقاعية 'معابر للموت' عبر السيارات المسروقة وصولا إلى خطابه في اجتماع مجلس وزراء الداخلية العرب في مراكش، والذي استدعى ردا خاصا من الحزب على لسان النائب علي فياض.

لكن بعد دخول حزب الله إلى مدينة يبرود في ريف دمشق أصبحت العين على صيدا وسط مخاوف من اتخاذها ساحة للانتقام لهزيمة الجيش الحر والكتائب الإسلامية في يبرود. العمليات الانتحارية أو الاغتيالات المتوقعة قد تحظى بدعم معنوي أو لوجيستي من أنصار أحمد الأسير أو بقايا جند الشام وفتح الإسلام والعناصر المرتبطة بالقاعدة المتمركزة في عين الحلوة، تستوجب القلق ورفع مستوى الجاهزية خوفاً من معادلة “صيدا تنفيساً لعرسال ويبرود”.

لكن أين وزير الداخلية نهاد المشنوق من خطة المواجهة؟ وماذا عن التنسيق الأمني مع حزب الله الذي يشترك معه في شعار التصدي للإرهاب؟ “لا تواصل حالياً مع الحزب”، يجيب المشنوق جازماً من دون تفاصيل إضافية. لا يملك “صقر المستقبل” معطيات عن مستقبل علاقة حزب الله به. لكن الحزب يملك ذلك، فقبل أن تقدم أوساط مقربة من الحزب تصورها للعلاقة المقترحة مع المشنوق، تسوق أسباباً عدة تبرر مقاطعته، بدءاً من تصنيفه قرى بقاعية “معابر للموت” عبر السيارات المسروقة وصولاً إلى خطابه في اجتماع مجلس وزراء الداخلية العرب في مراكش، والذي استدعى ردا خاصا من الحزب على لسان النائب علي فياض الذي وجد أن “مقاربته تدفعنا إلى إبداء القلق الشديد على الأمن في لبنان”. ورأى أن “أخطر ما ورد فيها تغييبه لدور القاعدة وشرعنتها بوصف عناصرها بالثائرين وتجهيل دورهم واختلاق مسؤولية إيران وحزب الله عن العنف”.

مع ذلك، لا تستبعد الأوساط مبادرة قريبة تجاه المشنوق، و”لا يستطيع الحزب مقاطعة موقع وزير الداخلية”، كما تقول تلك الأوساط. لكن الأمر ليس سهلاً، فعلى المستوى الشخصي، لفتت الأوساط إلى أن اللواء أشرف ريفي لم يقطع خطوط التواصل مع الحزب. أما “المشنوق فقد ارتكب أخطاءً كبيرة في وقت قياسي، في وقت لا تربطه فيه علاقات ودية مع شخصيات في الحزب”. فهل قطع طريق العودة على نفسه؟ ترجّح الأوساط أن يتعالى الحزب على الخلافات الضيقة من أجل المصلحة العامة. والتواصل مع المشنوق، لو حصل، يندرج ضمن التنسيق الأمني وليس ضمن التواصل مع تيار المستقبل الذي لا يزال الحزب يغلق الباب سياسياً في وجهه.

انطلاقا من هنا، لا يبدو غريبا تأكيد نائب حزب الله نواف الموسوي أن “مشاركة الحزب في الحكومة ليست منّة من أحد، بل هي حق مكتسب للقاعدة الشعبية التي يمثلها”، فيما ذهب نائب رئيس المجلس التنفيذي في الحزب الشيخ نبيل قاووق للقول إن “تيار المستقبل ليس بحجم أن يضع أي فيتو على مشاركة حزب الله في الحكومة، بل هذا أكبر من حجمهم ودورهم”.

هذه المواقف وأخرى مماثلة صادرة عن قياديي الحزب ردت عليها كتلة المستقبل بأن “السبيل الوحيد للخروج من المأزق الراهن يتمثل بتسهيل مهمة سلاّم ببيان وزاري لحكومة مسالمين لا حكومة مقاتلين”، وأوضحت أنها “لا تدعو إلى العزل أو الانعزال، ولا سيما أن الدروس المستفادة من الماضي تؤكد أنه لا يستطيع أحد أن يقصي أحدا رغم أن حزب الله والنظام السوري يحاولان ذلك مع تيار المستقبل منذ سنوات”.

9