نهار في روتردام

من يريد بناء المزيد من المساجد والكنائس والمعابد الأخرى فله ذلك، ولا مجال لخزعبلات ومظلوميات وحقوق مزعومة، مستدعاة من الأزمنة السحيقة، مثلما تفعل الصهيونية في القدس فتقلدها الأردوغانية في إسطنبول.
الأحد 2020/07/19
ثقافات متعددة وأعراق وأديان متنوعة

في مدينة روتردام الهولندية، كان الطقس حاراً يوم الجمعة الفائتة. ازدحمت المقاهي الكثيرة بالزبائن، واستقبلت الحدائق روادها، ومُدت الطاولات على أرصفة المطاعم التي تفصل بينها أحواض الزهور.

أكبر مساجد المسلمين في هولندا قاطبةً، امتلأ عن بكرة أبيه، وأدى الصلاة حول المسجد، آخرون كُثر. فمقاطعة جنوب هولندا ــ حيث تقع لاهاي وروتردام ـ هي الأكثر كثافة في البلاد. وهنا أضخم ميناء بحري في أوروبا. وتفاخر روتردام، بأن سكانها ينتمون إلى 180 جنسية. وقد استطاع المغاربة فيها، إصعاد أحدهم (أحمد أبوطالب) لكي يشغل منصب عمدة المدينة. فالثقافات هنا تتعدد، وتتنوع التقاليد والأعراق والأديان، ولا تتقبل المناخات، الهواجس المستعارة من القرون الوسطى. والسكان لا يريدون شيئاً من التاريخ، يعكّر صفو حياتهم. فأرض الله واسعة ومن يريد بناء المزيد من المساجد والكنائس والمعابد الأخرى فله ذلك، ولا مجال لخزعبلات ومظلوميات وحقوق مزعومة، مستدعاة من الأزمنة السحيقة، مثلما تفعل الصهيونية في القدس فتقلدها الأردوغانية في إسطنبول.

ما يزيد قليلاً عن نصف مواطني هولندا، من أصول غير هولندية. وبالقرب من مركز روتردام، هناك مدينة صينية كاملة، لم تقلق المُكوّن التركي الذي يشكل 10 في المئة من سكانها. أما الصينيون والأتراك فلم يزعجهم المُكوّن المغربي العربي ـ الأمازيغي الذي يمثل 8 في المئة من سكان روتردام ومواطنيها. فالجميع هنا منصهرون في مجتمع “جُزر الأنتيل” الهولندية.

في مثل هذه التجمعات الحضرية ليس أفدح من إثارة النعرات وفتح خطوط السجال بين من يتبعون الديانات السماوية والأرضية ومن لا يتبعونها. ففي روتردام يشكل المسلمون، أتراكاً ومغاربة وإندونيسيين ومشرقيين عرب، نحو ربع السكان. وعندما نقارنهم ـ على الرغم من كثرة عددهم ـ بغير المسلمين، كالصينيين والوافدين من دول آسيوية، ومن أوروبا الشرقية؛ يصبحون أقلية. لكن التسامح في المجتمع ساعد على أن يتبوّأ منصب العمدة واحد من المسلمين. فماذا لو تأججت النعرات والسجالات العقيمة باسم “الأمة المسلمة” ووصلت أصداؤها إلى مدينة هانئة كروتردام؟

المسلمون هنا، لا يطمحون إلى قائد أمة أو إلى سلطان. فلكلٍ منهم بلده وتقاليده وثقافته وهويته الوطنية، مع إحساس طبيعي بالمشترك الديني مع المسلمين الآخرين. ثم مَن هو ذلك السلطان، أو ذلك النظام “المؤمن” وما هي قيمته، حين يقارن ببلد علماني، يأخذ فيها كل مواطن حقوقه كاملة؟

في يوم الجمعة، أحزنني فتى “الكافتيريا” الذي حدثني بلهجة قريبة ـ في بعضها ـ  من لهجة أهالي غزة أو حوران أو العراق. سألته عن بلاده. أجابني “لن تتوقعها”. كان الجواب كافياً لأن أقول له “أنت من الأهواز يا بُني”. هز رأسه وضحك مؤيداً.

24