نهار ممطر

السبت 2015/11/21

“شابة” في الخمسين على أكثر تقدير، هكذا رأيتها حين استقلت الباص الذي كان مزدحماً بالركاب في نهار لندني ممطر، وكانت أغلب المقاعد فيه مشغولة من قبل شباب غارقين بمطر محادثات افتراضية كان يسقط على هواتفهم النقّالة، وهم ينظرون بغير اكتراث بين الحين والآخر إلى الأجساد الواقفة التي تتأرجح مع اهتزاز حركة الباص.

لكني تنبهت سريعاً فأضفت بعض السنوات القليلة إلى عمرها، وأنا أراقب مشيتها المتلكئة وهي تحاول أن تجد مكاناً لقدمها السليمة وسط الأقدام، كانت تستعين بعكاز ضرير اتكأت على مقبضه العلوي عندما اهتز الباص بصورة مفاجئة ليغادر المحطة مسرعاً.

التحقت السيدة الإنكليزية المسنّة بالجموع الواقفة وكانت تنظر بدورها من دون اكتراث للشباب الجالسين. اعتذرت لها بابتسامة عن ذنب لم ارتكبه فقابلتني بابتسامة وتحية، كانت تقول “لا عليك، فأنا اعتدت على الاستعانة بالعكاز للحفاظ على توازني منذ سنوات، لا أحب كثيراً الخروج في مثل هذه النهارات الممطرة ولكني كنت بحاجة إلى شراء بعض الطعام”. تطلعت بفضول إلى كيس مشترياتها، فلم ألمح سوى بضع حبات من الفاكهة وعلبة حليب صغيرة وكيس من الخبز! واستنتجت، ربما لا تستطيع حمل أكياس ثقيلة فاكتفت بهذه الكمية المتواضعة، وربما لا تحمل نقوداً كافية.

قالت لي وكأنها قرأت أفكاري، وفي نبرتها شيء من التفاخر: “أنا ولدت في الأيام التي تولى فيها تشرشل رئاسة الوزراء في بريطانيا للمرة الأولى”! .. دهشت كثيراً وأنا أتابع عملية حسابية معقدة في دماغي لتخمين عدد سنوات عمر هذه السيدة الشابة، ابتسمت وتابعت كلامها “ما زلت في عقدي الثامن، شهدت الحرب العالمية الثانية وكنت طفلة صغيرة لا تفقه شيئاً من أصوات القذائف التي كانت تسقط كالمطر على لندن، لكني عانيت وأسرتي مثل غيرنا من الناس من مرارة الجوع والحاجة بعد انتهاء الحرب في العام 1945.

كتب المؤرخون عن هذه الفترة العصيبة في تاريخ بريطانيا، منوهين إلى أن “النصر في حينها هيمن على ذكريات الحرب الأليمة”. كما أن تقنين الطعام على شكل حصص تموينية وعدالة توزيع “العذاب الجماعي” ساعدا في تعزيز المساواة الاجتماعية، لينشأ واجب جديد بالدفاع عن هذه المساواة في المجتمع البريطاني؛ فأصبح لكل شخص الحق في الحصول على “حصة مناسبة من دون التعدي على حصص الآخرين” أو محاولة المكوث تحت مظلة “الاستثناءات” من دون وجه حق.

تشرشل نفسه خاطب شعبه في إحدى المرات إبان الحرب العالمية الثانية، قائلاً “لا أستطيع أن أعدكم إلا بالدم و بالدموع والكدح والعرق”. لذلك، كيّف الناس يومياتهم وفق هذه المعطيات فقدموا بعض الدماء والدموع، ثم كدحوا لسنوات طويلة ليعيدوا ترتيب مفردات حياتهم بصبر وروية.

ارتياد الحافلات في لندن أشبه بنزهة مجانية؛ نافذة تطل منها على مشاهد لمبان قديمة ما زالت تطبق جدرانها على قلب الماضي مثل أم تحتضن أبناءها، خضرة مزهرة، وجوه باسمة ولقاءات عابرة للتاريخ، وهي أفضل بالتأكيد من قيادة السيارة في شوارع ضيقة تشبه تقوسات جسد أفعى، مع مخاطر حدوث سكتة قلبية قوامها الخوف الذي يسببه تجاوز شاحنة كبيرة في الاتجاه المقابل لا تفصلك عنها سوى بضعة سنتمترات، إضافة إلى الغثيان الذي تصاب به جراء القيادة من جهة اليمين مخالفاً بذلك اتجاه عقارب رأسك التي اعتادت على الارتكان إلى الجانب الأيسر سنوات طويلة. هذا الغثيان يشبه كثيراً الوعود الكاذبة والخطب الرنّانة التي تستهلك سنوات من عمر شعوب تعرضت للخديعة، وما زالت تبتلعها زاداً يومياً لا يغنيها من جوع. خيبة الأمل طعمها مالح!

21