نهايات الأوطان من الخليفة أردوغان إلى أقفاص زهران علوش

الأحد 2015/11/08
ماتت الأوطان وباتت الهويات تصنع خارج حدود الدول

الأفراح الكبيرة بفوز حزب العدالة والتنمية بغالبية الأصوات في الانتخابات البرلمانية التركية شملت عدة أطراف في تركيا والمنطقة؛ ومن بين هذه الأطراف كان هناك طرفان، وهما الأبرز في إعلان فرحتهما، هما المعارضة السورية وسنّة لبنان.

كانت المفكرة السياسية حنة أرندت تؤكد أنها في إطار محاولتها لفهم واقع المسألة اليهودية، توصلت إلى قناعة راحت تكررها مرارا وتكرارا مفادها أنه “إذا تمت مهاجمة المرء كيهودي فإن عليه أن يدافع عن نفسه كيهودي وليس كألماني أو كمواطن عالمي أو كمؤيد لحقوق الإنسان، بل انطلاقا مما يجدر به فعله كيهودي بالتحديد”.

ربما كانت فرحة المعارضة السورية وسنّة لبنان بفوز أردوغان تندرج ضمن الإطار الذي عبرت عنه أرندت، حيث أن هذه الفرحة إنما تنطق برغبتهم في التعبير عن أنفسهم بوصفهم سنّة قبل أيّ شيء، وليس كحالة يمكن لتشتت تعريفاتها وتنوعها وإدراجها في سياقات خارج خصوصيتها أن يفرغها من معناها.

أسبقية الهوية السنية

تبلور وعي حاد لا يمكن إنكاره مفاده أن الاستهداف الذي يطال الغالبية السنية في سوريا ولبنان والمنطقة إنما ينطلق من كونهم سنة في الأساس. كان المطلوب منهم على الدوام إنكار هذا الواقع ورفضه، بينما لم تخجل الحرب في أيّ لحظة من الكشف عن عناوينها المباشرة والإعلان الصريح عن هويتها الطائفية والمذهبية.

كان هذا الفراغ منطلقا أساسيا لظهور تنظيم داعش الذي اتبع سياقا مباشرا في الإعلان عن هويته السنية، لا بل ادعى احتكاره هذا الوصف ومعناه مستفيدا من تغييب العنوان السنّي عن جوهر الأزمة ومحاولة تمييعه وعدم القدرة على تحديد عناوين واضحة له. ووجد الضحايا أنفسهم خارج التصنيف، وتبلور لديهم إحساس عام بتحالف القتل وانعدام الهوية الذي يتسبب به عدم رد القتل إلى عنوان واضح ومحدد.

نهايات الهويات الوطنية

باتت القيم المتعلقة بالهويات الوطنية غير قادرة على منح القتلى انتماء وهوية، فالسوريون الذين يقتلون بوصفهم سنّة لم يعودوا قادرين أن يكونوا سوريين بعد أن باتت هوية دمائهم المسفوكة سنيّة. الفكرة الوطنية لم تعد حمالة معان بل صارت توحّد بين القاتل والمقتول حيث أن كليهما سوري، ولكن الفرق يكمن في أن هناك طرفا يقتل انطلاقا من هوية عابرة للوطنية هي هويته الطائفية الخاصة، وطرفا يُقتل ولكن يكون ممنوعا عليه رد موته وتعريفه انطلاقا من هويته الطائفية.

جاء داعش ففجّر الحدود وجعل فكرة الأوطان غير قادرة على الدفاع عن أيّ خطاب هوية. وأمسك بالخطاب السنّي وبلوره في إطار يكون القتل فيه سنيا خالصا، ويقتل السنة لأنهم ليسوا سنّة أو كعقاب لهم على عدم قدرتهم على أن يكونوا سنّة كما يجب؛ فمثلا تهمة محمود الحسين السنّي الطرابلسي الذي أعدمه داعش أمام أبنائه بعد استدراجه إلى الرقة، كانت التعامل مع الدولة اللبنانية.

ترجم داعش الحنين السنّي إلى الخروج من الأوطان القاتلة والدخول في نعمة الهوية الممنوحة لهم من قبل دولة إسلامية سنية تنطق بعنوان سنّي لا مواربة فيه. والخطير في هذه النزعة أن الشكل الإسلامي السنّي هو الأساس وليس طبيعة الحكم والإدارة وفي هذا المقام تستوي تركيا الأردوغانية الإسلامية السنية مع دولة داعش.

داعش فجر الحدود وجعل فكرة الأوطان غير قادرة على الدفاع عن أي خطاب هوية

سنة لبنان

يسود انطباع سنّي عام في لبنان بأن السعودية الدولة التي ينظر إليها كراعية للسنّة في المنطقة والعالم قد تخلت عنهم، في حين أن إيران لازالت تغدق على جماعتها الأموال والدعم على الرغم من كل أزماتها.

وترافق انكفاء السعودية عن لبنان مع ظهور العامل المصري في السعودية كبديل مقبول عن اللبناني بشكل عام واللبناني السنّي بشكل خاص، وذلك على الرغم من اختلاف المواقف الرسمية المعلنة لكل من الدولتين بشان إدارة الأزمات في المنطقة.

يعود السبب إلى أن المصري يستطيع أن يكون سنّيا أكثر من السنّي اللبناني بشكل عام، حيث أن الصورة العامة للسنّي اللبناني كما رسمها تيار المستقبل والذي لازال الممثل الأوسع للسنّة في لبنان، تقدم نموذجا أقل سنّية من اللازم ويكاد يكون أقرب إلى كائن ليبيرالي. السنّي المستقبلي لا يمكنه مطابقة شبكة المواصفات التي صممها الوعي الشعبي السعودي للسنّي والتي لا يمكن تحديد كافة تفاصيلها بعد، ولكن يمكن القول إنها تتعلق بأن يقدّم المرء نفسه كسنّي قبل كل شيء.

مأزق تيار المستقبل في هذه الفترة عميق وصعب فهو محاصر بوطنيّته اللبنانية التي لم تعد صالحة للاستعمال في ظل انفجار التعريف الهويّاتي الطائفي، وبصورة سنيّته غير المطابقات لمواصفات السنّي الحالية الذي لا يقتصر وصفه على مشهد السنّي المحارب، ولكنه يتعلق بضرورة التعريف عن الذات والهوية انطلاقا من الانتماء السنّي.

أقفاص زهران علوش

أقفاص زهران علوش لا تضم سوريين بل علويين، وهم قد وضعوا فيها لكي تشاهدهم الطائرات العلوية الأسدية والأرثوذوكسية الروسية، وتقرر إذا كان قتل السنّة يستحق تقديم قرابين بشرية علوية كضريبة مسبقة الدفع. وقد لجأ الخطاب الرافض لهذه الخطوة إلى عناوين العالمية وحقوق الإنسان في حين كان الخطاب المرحب ينطلق من عنوان سنّي بحت.

لم يكن أهل الأقفاص يعتبرون أنفسهم أبرياء أو ضحايا، وكذلك أهل المدينة الذين يتخذون منهم دروعا بشرية لا يريدون أن يكونوا ضحايا بعد الآن. الجميع يريد الدخول في صورة القاتل وفي تعريفه. هكذا يصبح الضحايا مستحيلين بكل ما للكلمة من معنى. كل القتلى في هذه الحالة يصبحون شهداء ناطقين باسم طوائفهم التي تستطيع وحدها منحهم هوية وانتماء وأسماء وملامح، وأن تجعلهم أحياء ليس في جنات الخلد الموعودة ولكن في الانتقام.

هكذا تحضر الإبادات بوصفها الأمل الوحيد والأخير للنجاة، ما يجنّبها المساءلة الأخلاقية والضميرية ويجعلها ترقى إلى مرتبة البداهات التي لا تناقش.

الجيش السوري الحر لا يستطيع أن يقوم بمثل هذه الفعلة في أيّ ظرف لأنه يغامر بفقدان صفة القوى المعتدلة التي تجعله في نظر القوى الدولية بديلا مقبولا للأسد، وقد نجم عن ذلك فقدانه للكثير من عناصر قوته وتحوله إلى فصيل لا يستطيع منافسة جيش إسلام زهران علوش ميدانيا ولا على مستوى فاعلية الخطاب.

الجيش السوري الحر لازال سوريا، ولكن جيش زهران وما يعادله في سوريا والمنطقة قد خرج من فكرة الأوطان. لا يستطيع عنوان “السوري” منافسة عنوان الإسلام والمقصود به طبعا الإسلام السنّي.

عندما يكون الجيش الحر سوريا فإنه يقاتل ولكن جيش الإسلام لا يقاتل بل ينتقم. ينتمي القتال إلى عالم الأهداف الموضوعية والمنطقية، والمتصلة بالسياسة والتسويات وحتمية الوصول إلى نهايات، ولكن الانتقام يرتبط بالعالم المرضي الهذياني الرافض للنهايات والحدود.

اللاجئون المستحيلون

مشكلة اللجوء السوري وضعت أوروبا والعالم أمام سؤال حقوق الإنسان والضمير العالمي الذي كان الحجة الأبرز لإشاحة النظر عن المأساة السورية التي لم ترق إلى مصاف العالمية لأن ضحاياها كانوا قد وقعوا خارج العالم طوال فترة حكم الأسد. ومفردة اللاجئين كانت تحرمهم من ثنائية الأوطان والهويات الطائفية في آن واحد، وتجعلهم عرضة لاستعرضات الشفقة العالمية التي لا تعنى بإنقاذ الضحايا، بل بتدبير شؤون احتضارهم المريح والمتناسب مع شروط الموت الرحيم الدولية.

ما منع من تصنيفهم كلاجئين مثاليين أن سوريّتهم كانت مشهدا طاغيا ومقيما فيهم ولا يمكن تجاهله، ومن ناحية أخرى كانت حجة رفض بعض الدول لاستقبالهم بسبب احتمال وجود بعض المتطرفين السنّة في صفوفهم من المنتمين إلى داعش وسواه هو ما سمح بتغليب التوصيف الطائفي عليهم. وبات هؤلاء الأفراد قادرين على صبغ سورية اللاجئين بلون سنّي فاقع لم يترك لهم العالم سواه، وهو يطالبهم في الآن نفسه بإنكار أيّ صلة لهم به حتى يتمّ قبولهم فيه بوصفهم أبناء مجتمع الإحسان الدولي.

الجيش السوري الحر لازال سوريا، ولكن جيش زهران وما يعادله في سوريا والمنطقة قد خرج من فكرة الأوطان

داعش يعيد تشكيل هوية بريطانيا

اعتذر رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير عن غزو العراق عام 2003 الذي تمّ بعد ورود تقارير استخباراتية خاطئة حول وجود أسلحة دمار شامل في يد نظام صدام حسين. واعتبر أن هذا الغزو كان من أبرز الأسباب التي ساهمت في ظهور داعش. بعد تصريحات بلير طالبت لجنة برلمانية بريطانية بعدم توسيع نطاق الضربات الجوية التي تشارك فيها بريطانيا بعمليات ضد داعش في العراق لتشمل سوريا.

لم يكن مقتل أكثر من مليون عراقي في تلك الحرب وما تلاها مستوجبا للاعتذار إلا بعد ظهور داعش، وذلك لأنها حملت لواء الانتقام ليس فقط لضحايا الغزو على العراق ولكن لكل الضحايا السنّة في التاريخ.

بريطانيا تعاني من مشكلة كبيرة في هذا الصدد لأن مسيحيّتها لم تعد مصدرا للهوية منذ فترة، حيث تقول إحصاءات أعدها مركز الإحصاء البريطاني عام 2013 إنه وعلى الرغم من أن المسيحيين يشكلون 72 بالمئة من عدد السكان في بريطانيا فإن قسما كبيرا منهم لا يعتبرون أنفسهم مسيحيين ولا يمارسون الطقوس المسيحية ولا يزورون الكنائس، كما أن معظم مرتادي الكنائس في بريطانيا هم فوق الستين من العمر. بينما يثمل الوجود الإسلامي أكثر من 10 بالمئة من أعداد الفئة العمرية دون الـ25 من العمر، وجل هؤلاء يعرّفون عن أنفسهم كمسلمين سنّة.

وتكمن مشكلة بريطانيا في أن هويتها الدينية باتت ملتبسة وغير واضحة ولا تستطيع أن تشكل ردا على تهديد داعش سوى بإعادة إنتاجها الذي يعني نهاية علمانيتها. هكذا وبشكل عملي يلعب تنظيم داعش دور إعادة إنتاج المسيحية في بريطانيا، ويظهر في حلف موضوعي مع كنيسة كانت أصوات بريطانية عديدة تطالب بإلغائها لعدم جدواها، ولكنه قد تكون الآن ضرورة لمحاربة خطر لا يمكن مواجهته إلا بالتماثل معه.

لا يريد البرلمانيون البريطانيون توسيع نطاق الضربات الجوية ضد داعش لتشمل سوريا، لأنهم يعلمون أن بريطانيا تعاني من نقص في مسيحيّتها البروتستانتية، وتاليا في هويتها الصالحة للاستعمال والدخول في منافسة مع السنيّة المحاربة أو مع الأرثوذوكسية الروسية.

ماتت الأوطان وبات الهويات لا تصنع داخل حدود الدول، وصار التماثل ضروريا للدخول إلى عالم الهويات المصنعة خارج الحدود. هكذا لن يكون انتصار أردوغان تركيا بل سنّيا، وأقفاص زهران علوش مرشحة لتضم كل علويي العالم وشيعته، وأرثوذوكسية الصواريخ الروسية مرشحة لتصيب كل السنّة في كل مكان، وكذلك هو حال الانتقام الداعشي الذي يصل اللحظة بالماضي في محاولة لإقفال كل أبواب المستقبل.

كاتب لبناني

6