نهاية أردوغان الوشيكة

لم يبق للإسلام السياسي سوى تجربة تركيا، فكان من الصعب على أتباع هذا التيار أن تصارحهم بحقيقة النهاية الوشيكة لتجربة أردوغان.
الاثنين 2018/09/03
أخبار سيئة

يميل جمهور الإسلام السياسي بين فترة وأخرى إلى تشكيل لوبي للدفاع المستميت عن رموز وأيقونات تخصه وتمثل له القشة التي يتعلق بها الغريق. وخلال العقود الماضية تمت مواجهة الإسلاميين في مناسبات مختلفة بحقيقة عجزهم عن إنتاج برامج اقتصادية ناجعة تتجاوز الشعارات العاطفية. لذلك تجدهم يتعلقون بالنماذج الفاشلة لتعويض ذلك العجز البنيوي العميق الذي انطبعت به تجربتهم.

ومنذ فترة تحول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد انهيار الليرة التركية إلى ضحية في نظر الإسلاميين، وبدأوا ينسجون قصصاً خيالية عن مؤامرات تستهدف تركيا، بينما الأزمة التركية ناتجة عن أخطاء سياسية واقتصادية متراكمة. وخاصة أن الاقتصاد التركي هو اقتصاد خدمي في معظمه وليس إنتاجياً. كما أن القروض الخارجية رغم فوائدها المرتفعة هي التي كانت تغطي العجز، وفي الوقت ذاته تؤسس للكارثة الراهنة المتمثلة في انهيار سعر الليرة أمام الدولار، وبالتالي لا توجد مؤامرات من أي نوع تستهدف تركيا، بل إن أخطاء أردوغان وسياساته هي التي أدت إلى حدوث انهيار العملة، بالإضافة إلى الصدام مع الولايات المتحدة، مع تشابك مجموعة معطيات أدت إلى زعزعة الثقة بالعملة التركية وبالاقتصاد التركي بشكل عام.

من الكوارث التي أصابت تركيا أن الكثيرين وقعوا في فخ النجاحات الوهمية لتجربة حزب العدالة والتنمية، وتجاهلوا أنها ارتكزت على الديون الخارجية التي أثقلت كاهل الاقتصاد التركي بفوائدها العالية واستحقاقاتها العاجلة، وأصبحوا يعتقدون أن أي تراجعات تحدث لتلك التجربة تتم بفعل فاعل، وهذا غير صحيح، بل إن تقديس التجربة التركية من قبل الإسلاميين هو الذي جعلها بعيدة عن النقد والمراجعة، وعندما بدأت بالسقوط حدثت الصدمة غير المتوقعة لدى جمهور الإسلام السياسي الذي يشتهر بالانفعال والتشكيك في التحليلات المنطقية التي تعتمد لغة الأرقام وليس العواطف والانحيازات المتعصبة وغير العلمية.

لا يريد الإسلاميون أن يسقط نموذج آخر كانوا يعلقون عليه آمالا كبيرة بعد أن سقط النموذج السوداني، وبعد أن دخلت تجربة الحركات الإسلامية في أفغانستان في نفق مظلم. وكذلك سقوط نموذج حماس في غزة التي تحولت إلى إقطاعية إخوانية تعرقل المصالحة الفلسطينية وتستأثر بأموال المساعدات الدولية.

هكذا لم يبق للإسلام السياسي سوى تجربة تركيا، فكان من الصعب على أتباع هذا التيار أن تصارحهم بحقيقة النهاية الوشيكة لتجربة أردوغان. حتى لو استمر في واجهة المشهد التركي بصورة شكلية فإنه قد سقط معنوياً، ولم يعد لانتفاخه وخطاباته المنفعلة أي قيمة تذكر. ولا ننسى الاستحقاقات الداخلية وتأثير الأزمة الاقتصادية على الشارع التركي وانعكاساتها على شعبية حزب العدالة والتنمية وحظوظه المستقبلية التي سوف تتناقص بالتأكيد. وسيكون الدرس المستفاد من بالونة الإسلاميين الجدد في تركيا معززاً للنقد المستحق الذي يلاحق الإسلام السياسي إجمالا، ويكشف ثغراته البرامجية والفكرية وكل ما يتصل بتصورات أقطابه لإدارة الشأن العام.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو من سيخبر لوبي الإسلاميين وعشاق التجربة التركية بأن تعثر اقتصاد تركيا حدث بفعل ممارسات اقتصادية خاطئة، مثل الاعتماد المبالغ فيه على الاقتراض من البنوك الدولية، والصدام السياسي مع القوى البارزة ذات التأثير الجوهري في الاقتصاد العالمي، وهذا من أبرز ما وقعت فيه تركيا، بالإضافة إلى التناقض الذي أظهر القيادة التركية بشكل مرتبك ومشوش؛ مثل قيامها ببحث مسائل عسكرية ومفاوضات تسليح مع روسيا، في حين أن تركيا محسوبة على حلف الأطلسي، فكيف تكون محسوباً على حلف دولي صلب وعنيد ثم تتواصل مع أحد أشهر خصومه؟

كما أن الدليل أيضا على عدم وجود مؤامرة ضد الاقتصاد التركي يتمثل في إدراك حجم الديون الخارجية. هناك مصادر متخصصة تشير إلى أن تركيا مطالبة بتسديد 179 مليار دولار قبل شهر يوليو 2019، وذلك بناء على تقدير اقتصادي لبنك “جيه. بيمورجان”. والرقم المذكور لحجم الدين يكاد يقترب من ربع الناتج الاقتصادي لتركيا، ما يعني أن أزمة الليرة التركية سوف تتضاعف وأنها حتى الآن تعتبر في بداياتها الكارثية المفتوحة على احتمالات أكثر سوءاً مما تم الإعلان عنه.

النظام التركي نقل تركيا من الدولة الجاذبة للاستثمار والمبشرة بالاعتدال والعلمانية، إلى خانة تفقد فيها تركيا بريقها بفعل سلسلة طويلة من الانحيازات والتصرفات غير المتزنة

بلغة الأرقام أيضا، وتفنيداً لأوهام المشككين الذين تروق لهم نظرية المؤامرة، يتوقع خبراء أن يؤدي حجم الدين الخارجي التركي إلى الوقوع في مخاطر حدوث انكماش حاد في الاقتصاد بفعل الأزمة. واستكمالاً لتقديرات بنك جيه. بيمورجان فإن معظم الدين الخارجي التركي والذي يمثل نحو 146 مليار دولار، مستحق على القطاع الخاص، وفي مقدمته البنوك. وبشهادة من داخل تركيا كشف معهد الإحصاءات التركي أن مؤشر الثقة الاقتصادية تراجع في شهر أغسطس 9 بالمئة، مقارنة بشهر يوليو، مسجلاً 83.9 نقطة، وهو أدنى مستوى له منذ مارس 2009.

وتبقى ملامح الكارثة التي هزت الاقتصاد التركي وأثارت الذعر لدى المستثمرين متمثلة في هبوط الليرة بنسبة 40 بالمئة خلال هذا العام. وما يضاعف من المخاوف هو قيام الوكالات العالمية بخفض التصنيف الائتماني لعدد كبير من المؤسسات المالية التركية.

قد لا يتذكر الكثيرون أحد الإجراءات المضحكة التي اتخذت في تركيا عام 2004 عندما تم حذف ستة أصفار من العملة التركية، حيث كان المليون يساوي دولاراً واحدا. وتمت معادلة المليون لكي يساوي ليرة واحدة فقط، في ظل طموح ناشئ آنذاك وآمال بانتعاش الاقتصاد التركي. ودعماً لتلك الخطوة التي تعتبر مغالطة كبرى بدأت سلسلة الاقتراض من البنوك الخارجية كأحد أهم وأخطر أسباب الأزمة الحالية.

من أخطاء النظام التركي كذلك محاولته الجمع بين الاستفادة من قواعد الاقتصاد العالمي الحر وفي الوقت ذاته تحدي تلك القواعد، مثل الضغط على البنك المركزي التركي وسياساته المتعلقة بسعر الفائدة، مما أدى إلى اهتزاز ثقة المستثمرين الأجانب نتيجة لمحاولات أردوغان استخدام سلطاته للضغط على البنك المركزي بتعديل سعر الفائدة، وعندما يحدث مثل هذا الأمر في أي بلد من الطبيعي أن يلجأ أصحاب رؤوس الأموال إلى حماية ثرواتهم وإلغاء استثماراتهم. وكلما حدث تدخل سياسي في الشأن الاقتصادي في دولة تدّعي أنها تعتمد قواعد الاقتصاد الحر يبدأ التناقض والإرباك وخروج المستثمرين من البلد، وهذا من ضمن ما حدث في تركيا. كما قام أردوغان بالهجوم على مؤسسات التصنيف الدولية التي تطلق مؤشراتها بناء على معايير محددة. وهذه المؤسسات لها صوت مسموع وتؤثر تصنيفاتها على سمعة البنوك والمؤسسات المالية وتقييمها يؤخذ بعين الاعتبار من قبل المستثمرين. وبمجرد حديثها عن المخاطر الاقتصادية في تركيا بدأ النظام التركي يهاجمها لفظيا، وهو يعلم أنه لا يستطيع التأثير على قراراتها المبنية على استقراء الواقع الاقتصادي بشفافية في كل البلدان. كما ارتكب أردوغان خطأ آخر عندما هاجم صندوق النقد الدولي، ضمن تصريحات أثارت استغراب الاقتصاديين نتيجة لتعارضها مع بديهيات الاقتصاد العالمي.

على المستوى السياسي انتقلت تركيا من مرحلة الاستقرار النسبي ومن استراتيجية “صفر مشاكل” مع الداخل ومع المحيط الإقليمي والعالمي، إلى مرحلة بلغت فيها صدامات تركيا السياسية المحلية والخارجية مؤشرا خطيرا، وصولا إلى الصدام مع إدارة ترامب وما ترتب عليه من عقوبات أميركية وتعقيدات مالية تمثلت في التعرفة الجمركية الأميركية على واردات الصلب والألومنيوم.

ختاماً يبدو أن النظام التركي برئاسة أردوغان نقل تركيا من خانة الدولة الجاذبة للاستثمار والمبشرة بالتسامح والاعتدال والعلمانية، إلى خانة أخرى تفقد فيها تركيا بريقها بفعل سلسلة طويلة من الانحيازات والتصرفات غير المتزنة التي جلبت الضرر لسمعة تركيا واقتصادها.

9