نهاية أوروبا على الطريقة الأرجنتينية في باريس

مسرحية "نهاية أوروبا"  تستعرض مفاهيم النهاية وعلاقتها بالتاريخ والفن والوجود.
الأحد 2018/03/25
في استطلاع نهاية التاريخ

بدأت مسيرة الأرجنتيني رافيل سبريغلبرد في منتصف التسعينات، إذ عمل كممثل سينمائيّ ومسرحي، كما كتب وأخرج العديد من المسرحيات التي حازت على جوائز عالميّة أشهرها جائزة أوبو الإيطاليّة، وكان لفرنسا الحظ الأكبر في استضافة عدد من عروضه، سواء في العاصمة الفرنسيّة باريس أو في مهرجان أفنيون المسرحيّ الذي استضاف عام 2011 مسرحيّته الأشهر “عناد”، والتي عرضت في باريس في ذات العام ضمن فعاليات مهرجان الخريف، كما صدر عدد من مسرحياته باللغة الفرنسيّة كـ”ارتياب” و”سبام” عن دار أرك الباريسيّة.

شهدت خشبة مسرح الـMC 93  في ضواحي باريس هذا الشهر مسرحية “نهاية أوروبا” لسبريغلبرد، والتي يناقش فيها مفاهيم النهاية، وسطوتها الأسطوريّة على كافة مجالات النشاط الإنسانيّ، فالعرض الذي يستمر لحوالي الساعتين أقرب إلى كولاج، يحوي النصوص والحكايات التي عمل عليها المخرج حين كان أستاذا محاضرا عام 2012 في مدرسة الفنون في إيطاليا، فحينها كان المطلوب منه بالتعاون مع طلاب من مختلف الجنسيات تحليل مفهوم “نهاية أوروبا” مسرحيا، والنتيجة كانت مجموعة من الحكايات المتخيلة التي تتجلى على الخشبة أمامنا عبر عشر شخصيات من أنحاء أوروبا، يتحدثون الفرنسية والإسبانية والإنكليزية والإيطاليّة، ليبدو العرض أشبه بورشة عمل فنيّة يسعى فيها المخرج مع الممثلين إلى تفكيك “النهاية” كفكرة، مع الاستفادة من أشكال أداء متنوعة كالغناء والرقص والتمثيل أمام الكاميرا، وكأننا في فضاء استعراضيّ يحاول فهم حقيقة التغيير الذي يحدث حين نعلن عن “النهاية”.

يحاول سبريغلبرد أن يحاكم النصوص والسرديات التي تقترح أن التغيير الجذري سيتم حين نعلن عن النهاية، فمفهوم الإعلان هذا يعني أدائيا أن حقبة ما قد انتهت وأن من يعلن هذه النهاية قد نجا، وهو الآن شاهدٌ على زمن جديد، مع ذلك نرى هشاشة هذه النهايات والحكايات المرتبطة بها، لكن ما يجمعها هو محاولتها مساءلة الشكل القائم للعالم، وهل يمكن له أن ينتهي، وهذا ما ينعكس على شكل العرض نفسه، فالممثلون يتحدثون لغات مختلفة، في
إشارة إلى المشكلات التي تحملها اللغة بوصفها شكلا من أشكال الحدود التي يقترح العرض نهايتها، فيطرح سؤالا عن إمكانيّة استمرار العالم دون حدود لغوية تشكل أساس الحدود الثقافية والجغرافيّة
أحيانا، كما يستحضر العرض مفاهيم نهاية الفنّ، عبر حكاية ساخرة تتناول محاولات إنقاذ جداريّة “هذا هو الإنسان” في سراغوسا في إسبانيا، مستعرضا النقاشات التي يمكن أن تشعل عالم الفن والنقد الفنيّ في حال “انتهت” أو دُمرت إحدى أبرز معالمه.

Thumbnail

يناقش العرض أيضا مفهوم نهاية التاريخ الذي اقترحه فوكوياما، وذلك عبر مفارقة تحويها اللغة الفرنسية لكلمة تاريخ، والتي تعني تاريخا وحكاية، ليسخر بذلك من النظام النيوليبرالي والذي يقترح تلاشي الأشكال السياسيّة كافة وانحلالها ضمنه، ويسعى العرض أيضا إلى محاكاة مفاهيم نهاية الواقع، والتي تتجلى مسرحيا على مستويين، الأول، عبر حكاية مؤتمر علميّ يبث مباشرة بلغات مختلفة ويتداخل فيه الواقعي مع الافتراضي، والثاني، مرتبط بالعرض نفسه، واستخدام الكاميرا فيه، بوصفها تفترض حقيقة دراميّة افتراضية موازية لتلك الدرامية التي نراها على الخشبة، هذه المستويات من الحقيقة تحيلنا إلى مفاهيم ما بعد الحداثة، والتي ترى أن الواقع انتهى ونحن أمام عدد لا متناه من الصور التي تعيد استنساخ نفسها إلى ما لا نهاية دون أي مرجعية حقيقية.

مجموعة الحكايات في العرض تنتقد أيضا مفاهيم نهاية الصحة ونهاية النبلاء ونهاية العلوم والأسرة، كل ذلك في سبيل طرح السؤال الأكبر عن نهاية أوروبا ومعنى هذه النهاية، وبخصوص هذا التساؤل يرى سبريغلبرد أن مفهوم النهاية في حد ذاته قادر على فضح العيوب التي يحويها أي نظام، وخصوصا الأوروبي، فالنهاية ليست إلا أداة لخلق تجانس في حكايات الماضي، وتُستخدم لخلق الوهم بالقدرة على تفسير الأحداث المختلفة، فهي وسيلة لإخفاء التعقيدات التاريخية التي لا يمكن أن “تنتهي” بمجرد الإعلان عن نهاية ما، فهل العالم حقا سينتهي كما قال الكتاب المقدس؟، وهل العرض ذاته سينتهي حين يعلن القائمون عليه نهايته؟

13