نهاية الأيديولوجيات الكلاسيكية في عصر التكنولوجيا الرقمية

الثورة التكنولوجية تمثل تحولا هائلا في حياة الإنسانية من خلال مساهمتها في سهولة تداول الأفكار والمعلومات.
الاثنين 2019/09/23
البرامج العملية تهزم الأيديولوجيا

خليفة الشواشي

شهدت سبعينات القرن الماضي بداية الحديث عن نهاية السرديات الكبرى، وتشمل الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعقلانية والتنوير والحرية وهي المفاهيم المركزية التي قامت عليها كل الحضارة الغربية لمدّة أربعة قرون.

قادت المآزق والأزمات التي عاشها العالم مع انتشار النظم الدكتاتورية والأحزاب الشمولية إلى القيام بمراجعات كبرى باتجاه تفكيك كل تلك السرديّات والأنساق الكبرى وخلخلة الأسس الفلسفية التي قامت عليها.

دفع هذا الانهيار إلى التحول نحو السرديات الصغرى المتمحورة حول الاهتمام بالذات ورعايتها وتأمين جودة الحياة للأفراد، وهي تتلخص في منظومة حقوق الإنسان بأجيالها المتعددة، وأنساقها الكثيرة حول الحريات الأساسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وكان المفكر الأميركي فرانسيس فوكاياما قد نظّر في كتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” إلى نهاية هذه السرديات في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وانحسار التجربة الشيوعية في أقطار المعسكر الشرقي سابقا مع نهاية الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.

ومع سقوط جدار برلين وتوحد ألمانيا وانهيار المنظومة الاشتراكية دخل العالم مرحلة الأحادية القطبية والأيديولوجية بانتصار المنظومة الغربية الليبرالية.

نهاية الأيديولوجيا                                       

اعتقد معتنقو الليبرالية أنهم بهزم الشيوعية ستبلغ الإنسانية مرحلة “نهاية التاريخ”، والتحكم في المستقبل وتثبيته وإرساء مرحلة الصلابة، لكن عقد التسعينات وتطوراته أدخلا العالم مرحلة السيولة.

صار كل شيء يمكن أن يحدث، في ظل حالة السيولة هذه، لكن لا شيء يمكن أن ننجزه في ثقة واطمئنان، فنشأت حالة من اللايقين تجمع بين الإحساس بالجهل واستحالة معرفة ما سيحدث. واقع كرسته التغيرات التكنولوجية وعولمة الاقتصاد وتزايد الفوارق.

ومثلت الثورة التكنولوجية تحولا هائلا في حياة الإنسانية من خلال مساهمتها في سهولة تداول الأفكار والمعلومات ومكنت الفرد من فرصة صياغتها ومشاركتها، وأنتجت أكبر “ديمقراطية” ممكنة كونيا عبر المشاركة في إبداء الرأي والتعبير الحر. ومع تتالي السنوات ازدادت جاذبية هذا الفضاء الافتراضي الحر وتعالت الأصوات معبرة عن تطلعاتها وانتظاراتها.

شكلت وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة منصات للمراقبة المستمرة على كافة فئات الشعب وكل أشكال السلطات ودعمت مشاركة متزايدة للمواطنين في التعبير عن حاجياتهم وأوضاعهم. تلاقت هذه التطورات التكنولوجية مع تردي أوضاع فئات اجتماعية كثيرة، وبروز تفاوت طبقي رهيب، وهو ما دفع الكثير من الناس في شتى بلدان العالم إلى التعبير عن سخطهم واحتجاجهم على استشراء الفقر والخصاصة عبر هذه الوسائل.

 أثرت هذه العوامل مجتمعة في تغير ملامح المشهد السياسي في الغرب عموما؛ حيث تقلصت شعبية الأحزاب التقليدية الكبرى في أوروبا وبدأت في التآكل التدريجي بينما صعدت أحزاب وحركات وقوائم حديثة التشكل لم تنضج هياكلها ولم تعرف هويتها.

الأجيال الجديدة تقود مرحلة التغيير بأدواتها ورؤيتها للحياة، ضمن رؤية لا تكترث للأطروحات الكبرى لكونها لا تحقق الرغبات ولا تعبر عن الذات

وعبرت الانتخابات في عدد من الدول الغربية عن هذا التوجه حيث تمت الإطاحة بالأحزاب الأيديولوجية التقليدية. وصعد أكثر من اسم “مغمور” لا ينتمي إلى أي من التيارات التقليدية المهيمنة.

وهنا تشكل إيطاليا بصفة دقيقة التعبير الأمثل عن هذه التحولات الجارفة، فأحزابها التقليدية تدهورت لصالح قوى كانت محسوبة على الهامش السياسي.

فحزب “رابطة الشمال” بقيادة السياسي المغمور ماتيو سالفيني و”حركة الخمس نجوم” التي لم تكن حزبا سياسيا، تحولا إلى القوة الأولى في البلاد بعد هزمهما للأحزاب الرئيسية مثل “الحزب الديمقراطي” (يسار الوسط) وحزب “فوزا إيطاليا” اليميني الذي يقوده السياسي المخضرم سلفيو برلسكوني.

وتعبر الحالة البريطانية عن المدى الذي بلغته هذه التحولات، فقد فشل الحزبان التقليديان (العمال والمحافظين) في السباق إلى تمثيل بريطانيا في البرلمان الأوروبي فيما تقدم اليمين الشعبوي بمعدلات قياسية من خلال قائمة حديثة التشكل أزاحت تشكيلات حزبية ناضجة من طريقها.

وتشمل السيولة السياسية شواهد متعددة، من ذلك حالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والبرازيلي جايير بولسونارو والفلبيني رودريغو دوتيرتي وغيرهم الكثير. ويعد هؤلاء الزعماء الشعبويين شعوبهم بتغيير مسار النظام القائم والاستجابة لمطالبهم الحياتية مستغلين امتيازات العصر الشبكي وما يتيحه من إمكانية مشاركة كبرى لعموم أفراده، وخاصة الأجيال الشابة التي انخرطت بسرعة وكثافة به.

قادت الأجيال الشابة مرحلة التغيير هذه بأدواتها الخاصة ورؤيتها للحياة المختلفة عن سابقاتها ضمن رؤية لا تكترث للصلابة والأطروحات الكبرى لكونها لا تحقق الرغبات ولا تعبر عن الذات.

أولويات جديدة

الانتخابات الرئاسية في تونس
الانتخابات الرئاسية في تونس

بما أن هذه الفئة العمرية لا تؤمن بالأسئلة الكبرى المتعالية عن الواقع وإنما بالمعيش اليومي الذي يمثل مركز الاهتمام الحقيقي لديها، فقد لعبت هذه الأجيال دورا كبيرا في ترسيخ التحولات السياسية باتجاه إحلال وجوه جديدة لا ترتبط بالمقولات القديمة.

امتدت تأثيرات الأجيال الجديدة إلى العالم العربي، رغم حداثة الديمقراطية فيه، فقد كشفت الانتخابات الرئاسية التونسية الأخيرة أفول الأيديولوجيا، حيث بلغ الدور الثاني من الانتخابات مرشحان عابران للتصنيفات الأيديولوجية التقليدية وهما قيس سعيّد ونبيل القروي.

ويعد الوافد الجديد نسبيا على الساحة السياسية في تونس أبرز تجسيد لهزيمة الأيديولوجيات اليمينية واليسارية، حيث حظي بدعم إسلاميين ويساريين، ما ترك مناصريه ومنتقديه على حد السواء يتلهفون لتحديد هويته.

وقال سعيّد “لم أقدم وعودا تقليدية ولا برامج تقليدية للناخبين، لقد قدمت لهم أفكارا وتصورات جديدة تترجم في شكل قانوني مطالبهم”. ويلتف الكثير من الشباب المتطوع حول المرشح الرئاسي ويعملون على تقديم الدعم له بالاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي خاصة الفيسبوك.

وفي الإطار ذاته يعتبر المرشح نبيل القروي أن انتخابات 2019 تمثل نهاية الأحزاب التقليدية أسوة بما يحدث في الديمقراطيات العريقة في العالم، قائلا بهذا الخصوص “لم تعد الشعوب لها ثقة في الأحزاب التقليدية، شاهدنا هذا في إيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة وبريطانيا، الديمقراطية بصدد المراجعة واتخاذ مفهوم جديد اليوم”.

ورغم أن الانتخابات عرفت مشاركة أكثر من 24 مرشحا فإن مرشحي العائلات الأيديولوجية التقليدية منيوا جميعا بفشل ذريع. فأحزاب اليسار نالت نسبا هي الأضعف على امتداد مشاركاتها، فيما لم يقدر أفضل مرشحي الأحزاب الليبرالية على تجاوز نسبة 10 بالمئة. بدورهم فإن الإسلاميين الذين قادوا تونس منذ ثورة يناير 2011 شهدوا تراجعا كبيرا، وهو ما يعكس نهاية الأحزاب التقليدية في تونس. 

وبعد 9 سنوات من الفشل في الاستجابة للحاجيات الحقيقية للتونسيين جاءت الانتخابات الرئاسية لتعكس رأي المواطنين في مختلف العائلات الأيديولوجية التقليدية، بعدما تبين عجزها وقصور رؤيتها وغياب أي خطة تنموية واقعية لديها، باختيار مرشحين بلا خلفيات أيديولوجية.

13