نهاية الإنسان الأحمر كتاب وثائقي قصصي عصي على التصنيف

السبت 2014/01/04
كتاب عصيّ على التصنيف

باريس - قليلة هي الكتب التي تصغي للطبقات الدنيا تستشعر همومها ومفازعها، وتتلمس من مكابداتها مسيرة بلد ومصيره، ركوده وتقلباته، فكتب التاريخ تهتم في العادة بالكبار والفاتحين والأعلام والمبتكرين ولا تجسّ نبض الشارع إلا أهون جسّ. هذه الحقيقة هي التي دفعت الكاتبة الإستونية سفيتلانا ألكسيفتش إلى تعقب المواطن العادي في شتى أنحاء روسيا لسبر أعماق الإنسان السوفييتي.

كتاب عصيّ على التصنيف، فيه يختلط التأريخ بالاستطلاع والتوثيق والقصة، أو ما اصطلح من الكاتبة على تسميته برواية الأصوات، ليست الرواية البوليفونية المتخيلة بل رواية المعيش اليومي، التي تفسح فيها صاحبتها المجال لحديث الناس تدونه بعلاته وتناقضات قائليه، مكتفية بدور الحائك يخيط قطع النسيج ويصل بعضها ببعض.

تسجّل كلامهم لتعرف منهم حقيقة ما جرى، ووقعه عليهم، ثم تنقل للقارئ الشعلة الشيوعية الكبرى التي كانت تؤلف بين الضحايا والجلاّدين، وترهن مصيرهم معا إلى أفق سرابي، فإذا هم بين أمل كاذب وقسوة بشعة. وهو الأسلوب الذي درجت عليه الكاتبة منذ “توابيت القصدير” عن هزيمة الجيش الأحمر في أفغانستان، و”الشغوفون بالموت” عن عمليات الانتحار التي عقبت سقوط الاتحاد السوفييتي، و”الضراعة” حول كارثة تشرنوبيل وجرائرها الفظيعة.

والكتاب هو جزء من حصيلة تقصّ ميداني ناهز الثلاثين عاما، استهلته الكاتبة عام 1985 بكتاب تناول السكوت عن دور المرأة الروسية في محاربة النازيين “ليس للحرب وجه امرأة”، ثم استفادت مما جمعته من أحاديث جيلين، جيل الستينات والسبعينات، أو ما عرف بجيل المطابخ، حينما سمح النظام للأسر بالإقامة في شقق خاصة بعد أن كانت تعيش في تجمعات سكنية، مما أتاح للنساء أن يسررن لبعضهن بعضا بآرائهن عن تجاوزات النظام. هذا الجيل تربى على عبادة لينين وستالين وبطولة الجيش الأحمر، وخضع للتجنيد الإجباري في الشبيبة الشيوعية، وعاش في خوف دائم من البوليس السياسي ومن فظائع الغولاغ، ولكنه لم يتردد في النزول إلى الشارع في صيف 1991 للتصدي للانقلاب على غورباتشيف، وإذا هم اليوم محطمون يعيشون على أنقاض الاشتراكية، موزعون بين اليأس والغضب. وجيل أبنائهم الذين تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين، وقد نشؤوا في فترة ما بعد الحكم الشمولي، في وضع يتسم بالفوضى الاقتصادية وبتآكل القيم الروحية والأخلاقية وهيمنة اللصوص والمال الفاسد. وهو ما ولّد في نفوس بعضهم، سابقين ولاحقين، رغبة في الهجرة إلى ديار أرحم، خصوصا بعد انتشار مليشيات بأزياء سوداء تزعم مقاومة الكافرين، مثلما ولد لدى آخرين حنينا إلى الماضي، وعودة إلى ماركس ولينين لاستعادة المجد القديم.

ولكن الأغلبية، برغم الضيق والأمل المحبط، قانعة بحياة صار لها فيها حق التنقل والسفر بحرية، وتطمع في أن يأخذ أبناؤها بنصيبهم من الطبقة الوسطى الناشئة.

لقد حرصت الكاتبة على جعل المأساة التي مثلها الاتحاد السوفييتي حية في الذاكرة، متوسلة بالتاريخ الصغير للفئات البسيطة والمتوسطة لسرد طوباوية كبرى ابتدعت في مخبر الماركسية اللينينية مشروعا أخرق غايته خلق إنسان محدّد هو الإنسان السوفييتي Homo sovieticus، واستعان القائمون عليه بالدعاية والتزييف والتدجين وإخماد أي فكر معارض، مثلما استعانوا بالعنف والترهيب والتهجير والنفي والتعذيب والقتل طوال اثنين وسبعين عاما لخلق إنسان له ثقافة وقيم أخلاقية وعادات تخالف ما لسواه خارج الطوق الشيوعي. إنسان مغاير في هيئته وسلوكه وخطابه ورؤيته للوجود وفي تصوره للخير والشرّ.

تقول الكاتبة: “ضعوا وجها لوجه شخصين أحدهما سوفييتي والثاني غربي، تلاحظوا من اليوم الأول ألا شيء تقريبا يجمعهما، وكأنهما عاشا في كوكبين مختلفين… لأنهما لم يتعلما الدروس نفسها، ولم ينشآ على القيم ذاتها”.

والكاتبة لا تنحاز للمستجوبين لتفسر انغلاق المجتمع السوفييتي وانهيار إمبراطورية المنجل والمطرقة، بل تكتفي بإلقاء أسئلة عن الحبّ والغيرة والطفولة والشيخوخة والموسيقى والرقص وتسريحة الشعر، وعن تفاصيل أخرى لا تحصى عددا من نمط الحياة اليومية الذي زال، حتى تضع الكارثة في إطار عائلي يدفع الناس إلى سرد بعض ما عاشوه بتلقائية، دونما توجيه منها، لأنها تنظر إلى العالم بعين الأديبة وليس بعين المؤرخة، كما تقول.

وهي إذ تفسح المجال لكل من ذاق ويلات النظام الشيوعي، الطيب منهم والشرير، القانع والمحتاج، الصغير والكبير، الفتاة والعجوز، تبني كتابها على تلك الأشياء البسيطة التي يأنف منها المؤرخون، وتمنحها خلفية فلسفية لا يفلح الصحافيون في التقاطها، كنبرة الصوت وضجيج الشارع ولغو المارة والبسمات المتواطئة والجروح المنسية والخيانات المفضوحة وصيحات الحقد والضغينة وأحاديث المطابخ والخيبات الصامتة، وكل ما يؤلف لحمة الحياة في تعاقب الليل والنهار.

كل ذلك في شكل رحلة إلى أعماق من دافعوا عن الشيوعية ومن أكرِهوا عليها، من كنّوا لها محبة صادقة ومن أضمروا لها الكره والعداء، لأن غايتها ليست التأريخ لسقوط إمبراطورية بل الوقوف على الكيفية التي تحيد بها في نفسية كل فرد.

16