نهاية البداية.. لا أحد لديه سبب للاحتفال في بريطانيا

ماي تعلم أنه سيترتب على تمرير هذا الاتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد، وسيترتب على عدم تمريره خروجها هي من الحكومة.
الاثنين 2018/11/26
لحظة حزينة في تاريخ أوروبا

هذه فقط نهاية البداية. قصة بريكست لا تزال لم تُرو بعد.

ربما تكون رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي قد نجحت للتو في تخطي الاختبار السهل، بالوصول إلى توافق مع الزعماء الأوروبيين لإقرار الاتفاق بين الجانبين، لكن ليس هذا ما تحلم به ماي حقا. الاختبار الأصعب لم يأت بعد.

بعد القمة الأوروبية، تحولت ماي إلى جندي يحاول تفكيك قنبلة يتحكم بها عن بعد جندي آخر يقف على الجانب المقابل من الجبهة. هذا الجندي “العدو” هو البرلمان البريطاني.

لا أحد في هذا البرلمان يتبنى رؤية ماي، أو يبدو مستعدا للرهان بمستقبله السياسي من أجل الوقوف معها. وحدة ماي تكمن في أنها سعت لأن تحيط نفسها، من خلال هذا الاتفاق، بالجميع، فانفض عنها الجميع. اليوم عليها أن تجهز نفسها، والبلد برمته، لواحد من بين ثلاثة سيناريوهات:

أولها، العودة إلى الاتحاد الأوروبي وطلب إعادة التفاوض. ربما يكون هذا المسار هو الأسهل إلى الآن، إذ سيتطلب الوصول إلى توافق حوله، خصوصا بين صفوف المتشددين المعادين لأوروبا، وقتا أقل، قبل المعاد الرسمي للخروج يوم 29 مارس المقبل.

سيحتاج البرلمان في هذه الحالة إلى تعديل “قانون بريكست”، الذي ينص على أنه إذا ما رفض الاتفاق في البرلمان؛ تخرج بريطانيا من دون اتفاق. لكن ثمة توافق في البرلمان اليوم ضد الخروج دون اتفاق، وفي هذه الحالة سيكون على البرلمان تعديل القانون عبر إلغاء تاريخ 29 مارس 2019، ومد فترة التفاوض.

جان كلود يونكر: إنه يوم حزين. خروج بريطانيا من الاتحاد لا يدعو إلى الابتهاج
جان كلود يونكر: إنه يوم حزين. خروج بريطانيا من الاتحاد لا يدعو إلى الابتهاج

السيناريو الثاني يكمن في إجراء انتخابات مبكرة. هذا التصور يمثل جبل الجليد الذي تحاول ماي، بصفتها قبطان سفينة المحافظين، تجنب الارتطام به. الجميع بات يعلم أن الحزب سيخسر أي انتخابات مبكرة يكون الدافع الرئيسي للتصويت فيها قائما على بريكست.

لكن في المقابل، لن يكون في بريطانيا أحد يدافع عن إجراء انتخابات مبكرة أكثر  من زعيم حزب العمال جيرمي كوربين. الانتخابات هي حبل النجاة له ولحزبه، في وقت تسود فيه الفوضى، وتستعد لابتلاع الطبقة السياسية البريطانية عن آخرها.

بغض النظر عن نتيجة أي انتخابات محتملة، سيكون على البرلمان أيضا تعديل “قانون بريكست” وتمديد موعد الخروج النهائي، كي يمنح الحكومة الجديدة فرصة للعودة إلى الأوروبيين وتقديم رؤيتها حول بريكست.

أما السيناريو الثالث، فسيكون الاستفتاء الثاني. قد يبدو هذا الاحتمال ضعيفا اليوم، لكن السياسة البريطانية كفيلة بأن تعلم كل مراقبيها أن الارتكان إلى اليقين مغامرة غير محسوبة العواقب. صحيح أن المناصرين للبقاء في الاتحاد الأوروبي هم فقط من يملكون الصوت العالي المطالب بهذا الحل الآن، لكن هذا لا يعني أنهم سيظلون واقفين وحدهم طويلا.

إذا وجدت تيريزا ماي نفسها أمام الخروج من دون اتفاق أو إجراء انتخابات مبكرة، فلن يكون مستبعدا أن ترمي بثقلها خلف إجراء الاستفتاء. حينها سيكون الاستفتاء، الذي يعتقد حزب المحافظين اليوم أنه مخاطرة قد تقسم الشارع، خيارا آمنا.

لكن، مثله مثل المسارين السابقين، سيحتاج تمرير الاستفتاء إلى تعديل القانون أولا من أجل صياغة مادة جديدة يقر فيها البرلمان بضرورة العودة إلى البريطانيين في استفتاء شعبي.

هنا تكمن مشكلة أخرى. أي استفتاء في العالم الديمقراطي يحتاج إلى نقاش مطول داخل البرلمان  والحكومة وبين الأحزاب وجماعات الضغط ومنظمات المجتمع المدني قبل التوافق على إجرائه. بعد ذلك تحتاج كل هذه القوى إلى وقت (قد يصل إلى أشهر) من أجل منحها فرصة لتنظيم صفوفها والدفاع عن وجهة نظرها، عبر حملة انتخابية كبيرة. بعدها من المفترض أن تذهب الحكومة إلى الاتحاد الأوروبي لاطلاعه على نتيجة الاستفتاء الجديد، والتفاوض، إن اقتضت الحاجة، على تعديل صيغة الخروج كي تتسق مع نتيجة الاستفتاء. كل ذلك لن يحدث بالطبع خلال 3 شهور فقط.

لكن كل هذه الخيارات قد تنسف تماما إذا ما أصر الاتحاد الأوروبي على عدم إعادة التفاوض مرة أخرى. في خطابه بعد القمة، ألمح رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر إلى أن “هذا ما لدينا، ولا شيء آخر!”.

ليس غريبا إذن أن تحاول ماي لف “حبل الجماهير” على رقبة أعضاء البرلمان، عبر التوجه إلى الناس مباشرة لدعم اتفاقها مع الاتحاد الأوروبي. ماي تعلم أنه سيترتب على تمرير هذا الاتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد، وسيترتب على عدم تمريره خروجها هي من الحكومة.

مشكلة استراتيجية ماي في التواصل مباشرة مع الناخبين تكمن في مسألة “السيادة”. لم يكن يفكر أي من أولئك المصوتين لصالح الخروج في تفاصيل علاقة رواد الأعمال البريطانيين بأوروبا، وقدرة الاقتصاد على صياغة علاقة مستقبلية مع الاتحاد الأوروبي تحافظ على تماسكه. آخر هموم الناس العاديين المعادين لأوروبا هي أزمة الفراغ الدستوري التي باتت تلوح في الأفق اليوم. ليس هكذا يفكر الناس في بريطانيا.

كل ما كان الجدل يدور حوله هو شعارات لا معنى لها كـ”استعادة سيادتنا” مرة أخرى من “هؤلاء الموظفين غير المنتخبين الذين يتحكمون في حياتنا من بروكسل”. لا شيء آخر، ربما سوى هيئة الصحة الوطنية (أن آتش أس)، التي تمثل الهاجس القومي الأول في بريطانيا. كل شيء عدا ذلك متروك للسياسيين كي يحلوه، من دون ضوضاء!

أنجيلا ميركل: هذا اليوم تاريخي يثير مشاعر متناقضة، وخروج بريطانيا مأساة
أنجيلا ميركل: هذا اليوم تاريخي يثير مشاعر متناقضة، وخروج بريطانيا مأساة

اتفاق ماي يضرب مفهوم “السيادة” كما يراه البريطانيون في مقتل. التنازلات التي منحتها الحكومة للاتحاد الأوروبي، في ما يتعلق بوضع استثنائي باتت أيرلندا الشمالية (وهي جزء من بريطانيا) مرهونة به دونا عن باقي المملكة المتحدة من حيث التزامها، أكثر من باقي مقاطعات المملكة، بقواعد السوق المشتركة، خلقت الكثير من الشكوك تجاه هذا الاتفاق.

ترتيب اللحظة الأخيرة، الذي خضعت من خلاله ماي لرغبات إسبانيا في ما يخص وضع جبل طارق، هز ثقة الشارع تماما. في سبيل ضمان عدم وقوف إسبانيا كعقبة أمام تمرير الاتفاق في القمة الأوروبية، اضطرت ماي إلى تبني مطالبات إسبانيا التي قد تقود في المستقبل إلى “سيادة مشتركة” بين لندن ومدريد على جبل طارق. هذا يحدث في نفس الوقت الذي يتصاعد فيه الجدل في اسكتلندا، التي صوتت في استفتاء 2016 بأغلبية للبقاء في الاتحاد الأوروبي، حول انفصال كاد يحدث بالفعل صيف 2014.

بريطانيا إذن أمام احتمال فقدان أيرلندا الشمالية وجبل طارق، وربما اسكتلندا أيضا.

كل هذه المحاذير لا تبدو كافية كي تكتشف ماي أن اتفاقها ممتلئ بألغام مركبة قد تنفجر في وجه الجميع. اتفاق بريطانيا سيحطم اتحادين: الاتحاد الأوروبي، والاتحاد البريطاني أيضا.

كما أنها تقف وحيدة اليوم بين الطبقة السياسية، تبدو ماي وحيدة أيضا في الشارع.

المناصرون للاتحاد الأوروبي يشعرون بأن هذا الاتفاق هو لا بقاء ولا خروج. هذا يشبه شعور من يعبر طريقا سريعا، فتصدمه السيارات في الاتجاهين. لا هو تمكن من العبور إلى الجهة المقابلة، ولا هو تلقى صدمة واحدة لا تقتله.

المناصرون للخروج يشعرون، في المقابل، بـ”الخيانة”. هذا ليس خروجا من الاتحاد الأوروبي بالنسبة لهم. هذا مجرد استسلام.

ما بات مؤكدا، بالنسبة للجميع، أننا أمام مشهد تاريخي أشبه بهزيمة في حرب كبرى. بريطانيا كسبت حرب السلاح في أوروبا عام 1945، وخسرت حرب المفاوضات مع أوروبا عام 2018.

من الناحية الشخصية، عنق الزجاجة يضيق على تيريزا ماي كل يوم. مستقبلها السياسي صار مرهونا بجهاز التحكم في القنبلة الذي يمسك به البرلمان. هذه المعادلة قد تمنح مستقبلها السياسي قبلة الحياة، في مطلع ديسمبر، إذا ما قرر البرلمان تمرير الاتفاق. أما إذا قرر الضغط على الزر، فسينفجر الاتفاق في وجه ماي، وينهي حياتها السياسية إلى الأبد.

7