نهاية "الربيع العربي" حيث بدأ

الجمعة 2016/08/26

انتهى “الربيع العربي” حيث بدأ. بدأ في تونس، ويبدو أنه انتهى في تونس. لا حاجة إلى تعقيد الأمور أكثر من اللازم. تونس ليست في وضع أفضل مما كانت عليه عندما كانت في عهد زين العابدين بن علي الذي فقد في السنوات التي سبقت اضطراره إلى التخلي عن السلطة القدرة على معرفة نبض الشارع من جهة، وعمق النقمة على تحول زوجته، ليلى الطرابلسي، وأفراد عائلتها إلى ما يشبه العائلة الحاكمة والمتحكمة بجزء كبير من اقتصاد البلد من جهة أخرى.

أين فشلت “ثورة الياسمين”؟ فشلت على أرض الواقع في حين نجحت نظريا، خصوصا عندما أطلقت الحريات العامة، ولكن من دون ضوابط، وأقرّ المواطنون دستورا حديثا بكلّ معنى الكلمة لم يتضمن أي تنازلات تذكر للإخوان المسلمين الذين كانوا يطمحون إلى إقامة نظام جديد على قياسهم.

يتبين كلّ يوم أن القوانين الحديثة والمتطورة شيء، فيما يبقى التطبيق شيئا آخر. يمكن الإتيان بأفضل القوانين في العالم وأكثرها حداثة، لكن مشكلة بلد ما لا يمكن أن تُحلّ من دون وجود الأجواء التي تسمح بالاستفادة من هذه القوانين ومن دستور حديث لا يعني وجوده أو عدم وجوده شيئا للمواطن العادي الباحث عن لقمة العيش أوّلا.

فشلت “ثورة الياسمين” على أرض الواقع نظرا إلى أنها لم تحافظ على أي من المقومات التي ميّزت تونس منذ الاستقلال إن على صعيد ضمان الأمن للمواطن العادي، أو على صعيد تحقيق تقدم في المجال الاقتصادي… أو في مجال المستوى التعليمي والمحافظة على حقوق المرأة وعلى نمط معين للحياة في المجتمع. كلّ ما هناك أن الإخوان المسلمين في تونس، الذين يدَّعُونَ الآن أنّهم مع الدولة المدنية، مازالوا ينتظرون الفرصة المناسبة للانقضاض على السلطة إما مباشرة وإمّا بطريقة غير مباشرة، وذلك في ظل التدهور الذي يضرب كل القطاعات بدءا بالمجتمع ومستوى الرقيّ فيه على كلّ صعيد، خصوصا لجهة العادات اليومية والملبس والتصرف في الأماكن العامة…

يعرف الإخوان المسلمون، الذين يسمون أنفسهم “النهضة” أن الوقت لم يحن بعد لتسيير أمور البلاد على نحو مباشر. الأهمّ من ذلك أن زعيمهم راشد الغنّوشي يدرك أنه ليست لديه حلول لأي من المشاكل المطروحة، لا على الصعيد السياسي ولا على الصعيد الاجتماعي أو الاقتصادي أو الأمني. لماذا، إذا، الغرق في مشاكل تونس التي لا حلول لها في المدى المنظور في حين يمكن الاكتفاء بالاستفادة مما يمكن أن توفره السلطة من مكاسب على كل المستويات، وإلقاء مسؤولية أي فشل على الآخرين في الوقت ذاته؟

يبدو أن إلقاء المسؤولية على الآخر، خصوصا على “نداء تونس” ورئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، في أساس إستراتيجية “النهضة” التي بات في استطاعتها استغلال الحال السائدة في البلد كي تتابع عملية التسلل إلى المجتمع، خطوة خطوة، بهدف ترويضه وتغيير تطلعاته. هناك ثروة في تونس اسمها ثروة الإنسان. هذه الثروة مكنت التونسيين من تطوير بلدهم في ظروف مختلفة وصعبة، معتمدين قبل أي شيء على مجتمع منفتح، وعلى برامج تعليمية متطورة أهلتهم ليكونوا على تماس مع ما يدور في العالم المتحضر، خصوصا في أوروبا.

ليس صدفة أن إعلان يوسف الشاهد عن أسماء أعضاء حكومته الجديدة ترافق مع مطالبة “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان”، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، بإلغاء اتفاق يبيح للواعظ والإمام العمل في المراكز المتخصصة برعاية الطبقات المهمّشة. هذا الطلب الذي تقدمت به هذه المجموعة يكشف مخططات “النهضة” والتنظيمات المتطرفة التي نشأت في كنفها. الهدف، بكل بساطة، نقل التونسيين من متعلقين بثقافة الحياة، إلى عالم الارتباط بثقافة الموت والبؤس.

في عهد حكومتيْ “النهضة”، أي عهد حكومتي حمادي الجبالي وعلي العريض، اغتيل سياسيان تونسيان معاديان للتطرف الديني بكل أشكاله. اغتيل شكري بلعيد، وكان العريّض وزيرا للداخلية، واغتيل بعد ذلك محمّد براهمي. أين نتـائج التحقيق، علما أنّ الجهات التي غطت الاغتيالين معروفة؟

ساءت الأمور في مرحلة ما بعد “ثورة الياسمين” إلى أبعد حدود. من حسنات زين العابدين بن علي أنّه حافظ على البعض من إرث الحبيب بورقيبة باني الدولة الحديثة في تونس. كان يكره بورقيبة لأسباب ذات طابع شخصي مرتبطة بعجزه عن فرض هيبته من دون اللجوء إلى القمع، أو إلى الاستعانة بشخصيات ضعيفة لا تعرف من قاموس السياسة والتعامل مع رئيس الدولة غير كلمة واحدة هي كلمة “نعم”.

يروي زميل لي مقيم حاليا في تونس أن كلّ شيء صار أسوأ في تونس. الاقتصاد أسوأ، الأمن أسوأ، الأداء السياسي أسوأ. ولكن أسوأ ما في الأمور أن التونسي لم يعد يحبّ العمل. إنّه يتوقع من الدولة أن تأتي إليه براتبه الشهري من دون أن يكون مستعدا لبذل أي جهد في المجال الوظيفي. يقول هذا الزميل إن عمال النظافة أضربوا من أجل تحويلهم إلى موظفين مثبتين بعدما كانوا مجرد مياومين. عندما كان هؤلاء مياومين كانوا يقومون بالمطلوب منهم. عندما أصبحوا مثبتين صاروا يكتفون بقبض مرتبهم من دون وجود من يحاسبهم أو من يجبرهم على أداء المطلوب منهم.

يضيف هذا الزميل أنّ الأمن كان سائدا في عهد بن علي. صحيح أن الشرطي كان يرتشي، لكنه كان يؤدي مهمته في مجال المحافظة على الأمن. كان الأمن هو القاعدة والرشوة هي الاستثناء. الآن، صار الشرطي يرتشي فقط… أمّا تأمين الأمن للمواطن فهو آخر همومه!

هناك انسداد كامل في تونس على كلّ المستويات، خصوصا في ظلّ وجود رئيس للجمهورية هو الباجي قائد السبسي اقترب من التسعين من العمر. لن يملأ الفراغ الناجم عن غياب الشخصية المحورية في البلد أي دستور من أيّ نوع كان، مهما كان عصريا. في النهاية لا مفرّ من التساؤل كم عدد المستثمرين الأجانب في تونس منذ “ثورة الياسمين”؟ كم عدد فرص العمل التي خلقتها “الثورة”؟ كم ارتفع المستوى التعليمي؟ كم زادت مساحة الأراضي المخصصة للزراعة؟ كم زاد عدد السيّاح؟ ماذا عن الصناعات التحويلية التي كانت عماد الاقتصاد التونسي والقطاع الأكبر فيه قبل السياحة والزراعة؟

سيل الأسئلة لا يتوقف عند حدّ معيّن. في عهد بن علي، افتقدت تونس بورقيبة. في عهد “نداء تونس” و“النهضة”، تفتقد تونس بن علي. هذا أمر مؤسف. كيف يمكن لبلد فيه كل هذه الحضارة، بدءا بجامعة الزيتونة، التي تعتبر من أقدم الجامعات في العالم، وثمة من يقول أقدمها، أن يشهد مثل هذه التحولات التي يشهدها الآن؟

لم يعد اسم تونس مرتبطا سوى بالفساد والمحاصصة السياسية وما يعتبر أخطر من ذلك كلّه، أي تدهور المجتمع في ظل التطرف والإرهاب. هل نقول وداعا لتونس… أم لا تزال فيها نواة صالحة قادرة على مواجهة التخلف انطلاقا من إرث بورقيبة ودولة المؤسسات التي بناها، والتي ساهمت في جعل المجتمع يتصدى للمحاولات المستمرّة للإخوان المسلمين من أجل إخضاعه؟

إعلامي لبناني

8