نهاية الربيع القطري.. الدوحة التي بالغت في تقدير مكرها وذكائها

الثلاثاء 2017/06/06

قبل عام تقريبا كنت أريد كتابة مقالة بعنوان “السعودية القطرية والسعودية الإماراتية” غير أنني عدلت عن تلك الفكرة خوفا من أن تكون تدخلا في الشأن الخليجي.

الحقيقة التي ظهرت في النهاية هي أن قطر تلعب على وتر الماضي الإسلامي والإرث التاريخي ورمزية السعودية لهدف خبيث هو استدراج الرياض إلى منطقة الغرائز وغياب العقل، لأسباب ثأرية وسياسية. الدوحة تريد المملكة مقسمة إلى دويلات أصغر لإضعافها.

بينما الإمارات المنسجمة تاريخيا مع المملكة قد اقترحت على الرياض دائما أن تكونا رفيقتي الرحلة نحو المستقبل. وبعد جهود وتعاون مع الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله قامت السعودية بطاقاتها الخلاقة بحل إشكالات كثيرة والنهوض بإصلاحات جبارة. حتى ظهر الأمير محمد بن سلمان وأعلن “رؤية المملكة 2030” وهي تحسم الجدل السعودي بين التركيز على الماضي والموروث أو الانطلاق بشجاعة نحو المستقبل.

يقول الأمير محمد بن سلمان إن السعودي مستثمر بطبيعته وعلينا الخروج من العقدة الخمينية التي شغلت المنطقة منذ 1979. وهكذا تم التركيز على قدرات المواطن السعودي الاستثمارية والعلمية أكثر من التركيز على الشخصية الدينية والإسلام السياسي.

قطر لم يعجبها ذلك بدافع الحقد وقامت باستثمار كل قواها المالية الضخمة لحجز دور مع المخابرات الأميركية في عهد الإدارة السابقة. كان دور قطر باختصار هو الدعاية “للفوضى الخلاقة” وتفتيت الدول. تبنّت قطر “عقيدة أوباما” باقتسام النفوذ مع إيران وهو اقتسام طائفي بين السنة والشيعة، أي اقتسام تركي إيراني للعرب أو شيعي إخواني. وهو ما ترفضه السعودية بقوة.

قام الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بدفع المملكة بكل ما عنده من قوة إلى “اقتسام المنطقة” مع إيران وقال إن ذلك سيكون أقل كلفة بكثير من الصراعات الجارية في العراق وسوريا واليمن. كان أوباما يعلم بالدور القطري في زعزعة الدول ودعم الإرهاب ولكن كل ما كان يهمّه هو أن تعم الفوضى للضغط على السعودية. يقول أوباما بكل صلافة إذا أخبرنا العالم بأن إيران هي بؤرة المشاكل “فهذا يعني أن علينا البدء بإنزال قواتنا واستخدام القوة لحل المسألة. ولن يكون ذلك في مصلحة الولايات المتحدة ولا الشرق الأوسط”. هذا الموقف المتخاذل لم يعجب السعودية على الإطلاق، لأنه سلم إيران مفاتيح أربع دول عربية هي العراق وسوريا واليمن ولبنان. وصار يهدد البحرين والخليج ويفجر الإسلام السياسي والإرهاب وجرى ذلك بمساعدة الدوحة وقناة الجزيرة.

عندما جاء الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض انتهت “عقيدة أوباما”، والإدارة الجديدة تختلف تماما فحدث شبه تفاهم مع الرؤية الإماراتية والسعودية لجهود جبارة بذلها كل من السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، وكذلك وزير الخارجية السعودي عادل الجبير. وهذا سبب هجوم الإعلام القطري على السفير الإماراتي.

السعودية مقتنعة ومطمئنة تماما للمستقبل. فالسعوديون عندهم المال والطاقات البشرية والمكانة الرمزية والجغرافية، وهذا كله يتم توظيفه في تحقيق إنجازات سعودية وهذا ما قاله الرئيس ترامب في أوروبا بعد قمة الرياض “الملك سلمان رجل حكيم ويريد تحقيق إنجازات”. فالقيادة السعودية ليست صدام حسين الذي طبّلت له قطر وغرّرت به إعلاميا ليزج بنفسه وشعبه إلى الهلاك، ثم طارت من أرضها المقاتلات الأميركية التي سحقته لتتباكى عليه قناة الجزيرة بعد شنقه.

لا تستطيع قطر لعب هكذا دور مع أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز بن سعود. لقد بالغت قطر في تقدير مكرها وذكائها، ثم إن القيادة السعودية كانت ناصحة وقالت للدوحة إن عليها التوقف فقد انتهى عهد أوباما. لكنّ القطريين كالمدمن الذي لا يستطيع المقاومة. لقد ظنت الدوحة أنها دولة عظمى ويمكنها التدخل في شؤون دول عربية كبيرة كمصر.

مما يثير العجب تصريحات وزير خارجية قطر التي صدرت مؤخرا في باريس حيث يقول إن قطر دولة مستقلة ولا تسمح لأحد بالتدخل في شؤونها.

لم تلتزم قطر باتفاق الرياض الذي أبرم بين الدول الخليجية والدوحة بعد أزمة سحب السفراء عام 2004 وتقول إنها أبرمت التعهدات مع الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، وكأن معاهدات الدول تتغير بتغير الحكام؟ الأزمة الحالية تبدو أصعب بكثير ولن تتمكن قطر من الالتفاف عليها بخدعة جديدة. تنفيذ التعهدات يتطلب الصدق وليس ترحيل بعض الإخوان إلى تركيا ولندن ودعمهم سرا لفتح قنوات ومواقع وصحف لمهاجمة السعودية ومصر وباقي الدول المجاورة.

وقع اتفاق الرياض في أبريل 2014 وفي سبتمبر من ذات السنة قامت قطر بالتوسط للإفراج عن 45 من موظفي الأمم المتحدة في سوريا. وهي ذريعة لدفع الملايين من الدولارات لجبهة النصرة والعناصر الإرهابية، وقبل شهر تقريبا دفعت نصف مليار دولار لكتائب حزب الله في العراق التابعة لإيران بحجة تحرير رهائن قطريين وتبدو كل القصة مفبركة من الأساس. والجميع يعلم الدعم القطري للمسلحين في سوريا واليمن وليبيا ومصر الأمر الذي صار يهدد الأمن والشرعية في المنطقة.

هل نفذت قطر اتفاق الرياض عام 2014؟ هل توقفت عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج؟ هل توقفت عن تجنيس المخرّبين من دول مجلس التعاون؟ هل أوقفت التحريض الإعلامي؟ هل انتهت علاقة الدوحة بالمشروع الإخواني؟ هل توقفت عن استضافة رموز دينية تحرّض على الإرهاب في دول أخرى؟ هل أبعدت العناصر الإرهابية من الدول الخليجية عن أراضيها؟ لقد سلمت السعودي المطلوب قضائيا محمد العتيبي بعد حصوله على لجوء في النرويج لإثارة المنظمات العالمية ضد الرياض وليس لاسترضائها؟

كل ما تقوم به الدوحة فيه خبث ومكر شديد. آخر دعايات قطر الإخوانية أن الأزمة الأخيرة هي بسبب رفض قطر دفع المال لترامب في قمة الرياض! هل الدول والسياسة بهذه السذاجة؟ قطر تخاطب جمهورها الإسلامي المغفل.

الموقف الخليجي والعربي قوي وحازم ضد التجاوزات القطرية واللعب على الحبال. السعودية تستخدم بعد صبر دام عقدين سياسة “الحرب الدبلوماسية”. فكما يقول بينجامين دزرائيلي وزير خارجية بريطانيا المتوفى سنة 1881 “هناك مسائل لا يمكن مواجهتها إلا بالقوة. هذا لا يعني الحرب ولكن من خلال الدبلوماسية والحرب، لأنه في رأيي الدبلوماسية هي الحرب دون استخدام العنف”. إن كل من الرياض والمنامة وأبوظبي والقاهرة لا تعلن قطع العلاقات الدبلوماسية وسحب السفراء فقط، بل تعلن الحصار الكامل والشامل على الكيان القطري الحالي.

دولة مركزية كالسعودية تعتبر مسؤولة عن النظام والسلام في الشرق الأوسط يحق لها أن تنزعج من الغدر القطري. العراق مثلا تابع لإيران علنا دون لف ولا دوران. لكن قطر تحضر اجتماعات أمنية سرية وسياسية، فهي عضو في مجلس التعاون وبالنتيجة هناك لقاءات سرية قطرية مع الجنرال سليماني والقاعدة. كيف يمكن احتمال شيء كهذا؟

ما هو الفرق بين الإعلام القطري والإيراني؟ بل ما هو الفرق بين خطاب الشيخ تميم والزعيم الإيراني الأعلى علي خامنئي الذي وجه انتقادات حادة الأحد الماضي للرئيس الأميركي دونالد ترامب والقادة السعوديين لتحالفهم الإقليمي الجديد المناهض لطهران، وقال إنه لن يجدي نفعا. هذا بالضبط ما قاله الشيخ تميم. كيف نواجه التوسع الإيراني والإرهاب إذا كان البيت مخترقا بهذا الشكل؟

كاتب عراقي

8