نهاية "السفير" تعجل بنهاية كل الصحف الورقية في لبنان

انتهت رحلة جريدة "السفير" اللبنانية التي شكلت في وقت ما حالة استثنائية في الثقافة العربية، حيث حاولت أن تخترق الحواجز التي كانت موضوعة أمامها، وأن تؤكد أنها جريدة لكل لبنان، لكنها اضطرت إلى الخضوع لاعتبارات تتعلق بالتمويل والجمهور.
الأربعاء 2017/01/04
نهاية الرحلة

بيروت - أصدرت جريدة السفير اللبنانية العريقة عددها الأخير في آخر يوم من أيام 2016 طاوية بذلك رحلة صحافية طويلة، استمرت 42 عاما وختمت إصداراتها بعدد تذكاري يذكر بأبرز العناوين التي طبعت مسيرتها.

يضيء الكاتب والصحافي أحمد بزون الذي عمل لسنوات طويلة في جريدة السفير على تجربة السفير وتاريخها قائلا “اقترنت جريدة السفير منذ انطلاقها بمشروع وطني يساري. ودفع مشروع السفير اليساري بنخبة كبيرة من الكتاب والمثقفين اليساريين إلى الالتفاف حولها، فكانت السفير جريدة اليسار أكثر مما كانت جريدة عامة لكل اللبنانيين.

وتزامنت مرحلة تأسيس الصحيفة عام 1974 مع انقسام واضح للقوى في لبنان إلى يسار ويمين، وقد أدت الحرب الأهلية التي اندلعت بعد فترة وجيزة من انطلاق السفير إلى تراكم الحواجز التي تفصل بين منطقة وأخرى.

وهذا الأمر ضيق مساحة انتشار الصحيفة وحصر توزيعها في ما كان يسمى آنذاك الشطر الغربي من بيروت”.

وأضاف بزون أن العصر الذهبي لجريدة السفير كان مع “تحلق الفلسطينيين حول السفير التي باتت ميدانا لكل من يؤيد القضية الفلسطينية، وتلك المرحلة منحت السفير دفعا قويا وزخما فاعلا.

وضمت الصحيفة في تلك المرحلة نخبة الأقلام في العالم العربي ونخبة مثقفيه، ما أدى إلى ارتفاع مستواها المهني والتقني، لأن المستوى العالي لمن كانوا يكتبون فيها في تلك المرحلة سمح بإنتاج عدد كبير من المهنيين المحترفين”. سمحت تلك المرحلة للسفير كما يشير بزون بأن تكون صاحبة مدرسة صحافية مناقضة لمدرسة جريدة “النهار”، فمدرسة النهار كانت غير مباشرة في صياغة الخبر وتبتعد عن إعلان الانحياز الواضح لأي تيار، في حين أن السفير كانت تصوغ أخبارها بشكل مباشر، ومنحاز، وواضح، وهذا ما ميزها عن النهار. وقد يكون أسلوب النهار أكثر ذكاء من الناحية الصحافية، ولكن أسلوب السفير كان أكثر وضوحا وقدرة على التعبير عن النهج السياسي ومزاج الناس.

أحمد بزون: السفير كانت تصوغ أخبارها بشكل مباشر ومنحاز وواضح

هذا الاختلاف بين مباشرة السفير ومواربة النهار هو ما شكل الفارق بين المدرستين، وهو ما أكسب الحياة الصحافية اللبنانية في فترة صعود السفير حيوية لافتة، تمثلت في بروز مجموعة مميزة من الأسماء اللامعة والمحترفة مهنيا، وقد توزع هؤلاء لاحقا على أبرز وسائل الإعلام العربية.

يرصد بزون تحولا أصاب السفير في مرحلة التسعينات ونهاية الحرب الأهلية حيث حاولت الجريدة أن “تخترق الحواجز التي كانت موضوعة أمامها سابقا، وأن تكون حاضرة في المناطق التي كانت تسمى بالمناطق الشرقية في فترة الحرب، وأن تؤكد أنها جريدة لكل لبنان. قامت السفير بتغطية الكثير من الفعاليات التي كانت تجري في تلك المناطق، ولكن هذه المحاولات لم تفلح”.

فشلت السفير في أن تكون جريدة لبنانية عامة دفع بها، مع تغير وجهة الصراع من يمين ويسار إلى صراع سني شيعي، إلى الخضوع لاعتبارات تتعلق بالتمويل، والجمهور، فباتت ناطقة بشكل واضح بلسان فريق من الفريقين المتصارعين وهو فريق 8 آذار.

يؤكد بزون أن “التموضع الأخير للسفير يناقض رؤية صاحب السفير ومؤسسها طلال سلمان، من هنا فإنه حرص على أن يعوض انعدام الخيارات في السياسة برحابة الخيارات الثقافية، فبقيت السفير حاضنة في مجال الثقافة لكتاب من مختلف التوجهات السياسية. ربما كانت هذه التسوية هي الوحيدة الممكنة لطلال سلمان لعلمه أن الخلل في الشأن الثقافي قد لا يكون مكلفا بشكل خطير”.

يقرأ بزون في ختام تصريحاته نهاية السفير بوصفها “نذيرا واضحا يشي بقرب نهاية كل الصحف الورقية في لبنان، وربما يكون السبب المباشر ماديا، ولكنه ليس السبب الوحيد والحاسم، فهناك في العالم كله تراجع للصحافة الورقية لحساب الصحافة الإلكترونية والتلفزيونات، ولا شك أن هناك تطورا كبيرا في الممارسة الإعلامية قد يقضي على أساليب إعلامية معينة، وقد تكون الصحافة الورقية أبرز المرشحين للانقراض”.

يعتبر الناقد والكاتب والمخرج التلفزيوني عبيدو باشا الذي عمل في جريدة السفير لمدة 22 عاما قبل أن يغادرها أن أهمية جريدة السفير تعود إلى أنها “شكلت في السبعينات والثمانينات حالة استثنائية في الثقافة العربية من خلال مجموعة من المثقفين العرب الذين شغلوا مناصب إدارية في صفحتها الثقافية. القائمة التي تضم هؤلاء طويلة وتشمل أسماء كبيرة مثل إلياس خوري، وحسن داوود، وسعد الله ونوس.

كل اسم من هؤلاء قدم إضافات إلى الصفحة الثقافية. يضاف إلى ذلك أن السفير افتتحت مرحلة الملاحق الثقافية في لبنان فقد أصدرت ملحقا ثقافيا كان يشكل قبلة للمثقفين العرب”.

ويضيف باشا أن خصوصية السفير، تعود إلى كونها نجحت في “إرساء تقنية كتابة صحافية تهدف إلى التواصل المباشر مع الناس من خلال البساطة وليس التبسيط، كما أنها أقامت علاقة خاصة مع اللغة العربية. هذا الطابع الاختباري للسفير جعلها صانعة أساسية لكبار نجوم الصحافة مثل جوزيف سماحة، وعطا الله إسكندر، وجوزيف ناصيف”.

ما يبقى من السفير وفق الناقد اللبناني هو “ذلك الحشد من الصحافيين الذين عملوا فيها والذين يشكل حضورهم في أي مكان استمرارا لنهج السفير ولغتها والتقنيات التي أرستها، وكذلك فإن السفير تبقى كذكرى وذاكرة، وغيابها سيشكل فراغا خطيرا في الحياة اللبنانية عموما، وليس فقط في حياة الصحافة”.

يرفض الكاتب والصحافي حازم صاغية الذي رافق انطلاق السفير ومرحلة تأسيسها وصعودها إمكانية تقييم تجربة السفير في لحظة غيابها، ويعتبر أن ما يميّز السفير هو “استحالة الحديث عن تجربتها، وتحديد خطوطها العريضة من خلال مقاربة صحافية سريعة. لا يمكن الحديث عن تقنية محددة للسفير ولا عن أسلوب نهائي، ولا عن سياسة”.

يكتفي صاغية بالتعليق على غياب السفير بالقول إنه خبر “حزين ومؤسف”.

السفير في نهاية المطاف كانت زمنا من الكلام، وغيابها يدخل البلاد في زمن آخر ليس للكلام فيه مكان ودور.

18