نهاية الواقعية الاشتراكية

السوري حنا مينة كان الأكثر إخلاصا ووفاء للواقعية الاشتراكية، والأشد تمسكا بها حتى أنه لم يقبل التخلي عنها أبدا. بأساليبها وبتقنياتها التي ابتكرها كبار مبدعيها.
الثلاثاء 2018/09/04
برحيله تكون الواقعية الاشتراكية قد لفظت أنفاسها الأخيرة

يمكن القول إن الرواية العربية بحسب المفهوم الحديث تأسست وانتعشت وتجذرت في ثقافتنا كفنّ مهم بفضل كتاب أبدعوا أعمالا لم تغب عنها تأثيرات تيار الواقعية الذي شهد انتشارا واسعا خلال القرن التاسع عشر. فتحت تأثير روائيين كبار من أمثال بالزاك، وديكنز، كتب نجيب محفوظ ثلاثيته الشهيرة، وتوفيق الحكيم “عودة الروح”، وتوفيق يوسف عواد “الصبي الأعرج”، والبشير خريف “الدقلة في عراجينها”.

ولم يشهد تيار الواقعية في الكتابة الروائية العربية إلاّ بعد أن ظهرت ترجمات لأعمال روائية تمردت على هذا التيار، وتجاوزته مثل أعمال ويليام فوكنر، وفرجينيا وولف، وجون دوس باسوس، وجيمس جويس، وسالينجر. وقد قام هؤلاء بابتكار تقنيات جديدة في مجال الكتب، وأتوا بأساليب مختلفة عن تلك التي كانت رائجة في القرن التاسع عشر.

كما أحدثوا ثورة في لغتهم الأم، مولدين كلمات واستعارات لم تكن مألوفة من ذي قبل. بهم تأثر كتاب عرب أمثال غسان كنفاني في “ما تبقى لكم”، وجبرا إبراهيم جبرا في “البحث عن وليد مسعود”، ومحمد زفزاف في “الثعلب الذي يظهر ويختفي”، وغادة السمان في مجمل قصصها الأولى، والطيب صالح في “موسم الهجرة إلى الشمال”.

حتى نجيب محفوظ الذي تأثر بالواقعية أكثر من غيره، تخلى عنها لينجذب إلى الواقعية الرمزية مثلما هو حاله في “السمان والخريف”، و”اللص والكلاب”، و”تحت المظلة” و”خمارة القط الأسود”.

وفي فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، عرفت الواقعية الاشتراكية كما حدّد أسسها كبار منظريها انتشارا في العالم العربي. حدث ذلك بمساندة كبيرة من الأحزاب الشيوعية التي كانت تتمتع بحضور قوي في كل من مصر والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين.

 وقد قام المثقفون المنضمون إلى هذه الأحزاب، والمتعاطفون معها بترجمة آثار نظرية وأدبية سيكون لها تأثير كبير على جميع أشكال الكتابة والفنون الأخرى خصوصا السينما والمسرح والموسيقى.

وقد ساهمت أعمال الشعراء والكتاب الذين تعاطفوا مع الثورة البلشفية، وساندوا الثورات الاشتراكية في جميع أنحاء العالم من أمثال مكسيم غوركي، وماياكوفسكي، وناظم حكمت، وبابلو نيرودا، وغرامشي، ولوكاتش، وغيرهم، مساهمة كبيرة في إرساء أسس الواقعية الاشتراكية في الثقافة العربية.

 وقد أبدع شعراء ومسرحيون، ومخرجون سينمائيون في أعمالهم، وهذا ما حدث مع محمود درويش وسميح القاسم في المرحلة الأولى من مسيرتهما الشعرية، ويوسف شاهين في “باب الحديد”، وفي “الأرض” على سبيل المثال لا الحصر.

أما في الكتابة الروائية فقد تجلى تأثير الواقعية الاشتراكية في البعض من أعمال غسان كنفاني مثل “رجال تحت الشمس”، و”أم سعد”، وعبدالرحمان الشرقاوي في “الأرض”.

لكن السوري حنا مينة كان الأكثر إخلاصا ووفاء للواقعية الاشتراكية، والأشد تمسكا بها حتى أنه لم يقبل التخلي عنها أبدا. بأساليبها وبتقنياتها التي ابتكرها كبار مبدعيها، كتب مجمل أعماله، مُبديا إعجابا خاصا بمكسيم غوركي وبروايته “الأم” التي اكتشفها في بداية مسيرته الأدبية لتظل حتى النهاية منارة فنية وأدبية مشعة. برحيله عن الدنيا، تكون الواقعية الاشتراكية قد لفظت أنفاسها الأخيرة في ثقافتنا العربية لتصبح شيئا من ماض ولى وانتهى.