نهاية الوسط

قيم الرأسمالية الأساسية ترسخت بما يكفي للقول إنها حققت انتصارا جعل "الوسط" يبدو وكأنه قد أنجز مهمته التاريخية ولم يعد لديه ما يفعله. هذا أحد الأسباب التي تجعل أحزاب القضايا الهامشية تبرز على حساب أحزاب "الأيديولوجيات الكبرى".
الثلاثاء 2019/06/11
أندرايا ناليس لا تريد أن تتحمل مسؤولية هزيمة ساحقة أخرى

بالكاد أتمّت أندرايا ناليس عاما في منصبها رئيسةً للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، حتى وجدت نفسها أمام “خيار وحيد”: الاستقالة. فبعد هزيمتين انتخابيتين كبيرتين، في الانتخابات إلى البرلمان الأوروبي، وفي ولاية بريمن التي ظل الاشتراكيون يحكمونها لـ73 عاما، بدت الاستقالة نوعا من الاعتراف بالواقع، الواقع المسكوت عنه حصرا.

الوسط، بيمينه ويساره، هو الذي يسقط الآن، ليس في ألمانيا وحدها، بل في معظم أوروبا. يمين الوسط الذي تمثله أنجيلا ميركل يعاني الأزمة نفسها التي يعانيها شريكه في يسار الوسط. وكلا هاتين القوتين تخسران لصالح إما حزب “البديل” الشعبوي المتطرف، وإما حزب الخضر.

النتيجة نفسها تحققت في الانتخابات الإسبانية. فبرغم أن الاشتراكيين حققوا فوزا محدودا، إلا أن ذلك ترافق مع تراجع يمين الوسط، ممثلا بالحزب الشعبي، وصعود اليمين المتطرف، ممثلا بحزب فوكس.

الانتخابات إلى البرلمان الأوروبي قالت كل ما فيه الكفاية. إذ حقق أقصى اليمين تقدما مشهودا، وذلك بمقدار ما حقق أولئك الذين جاءوا من خارج دائرة الوسط: الخضر واليساريون والليبراليون.

النموذج جاء صارخا في بريطانيا. الليبراليون الديمقراطيون سحقوا حزب العمال، بينما سحق حزب بريكست حزب المحافظين، كل من اتجاه سياسي مختلف.

ما حصل في الواقع هو أنه بينما تراجعت أحزاب الأيديولوجيات الكبرى، تقدمت أحزاب “القضايا الأصغر”. اليمين المتطرف يتعلل بالهجرة والخوف من الإسلام، واليسار يتعلل بقضايا البيئة والمساواة والحقوق، لتبدو المفارقة بينهما وكأنها بين صعاليك شعبويين، وذوي قيم مثالية.

هذا وضع ينذر بزعزعة واضطراب لا سابق لهما في السياسة الأوروبية، ولا أحد يستطيع أن يتكهن بماذا يمكن أن يعني ذلك بالنسبة لمستقبل الاتحاد الأوروبي، أو توازنات القوى داخل كل بلد، وانعكاساتها على التوازنات الدولية نفسها.

قيم الرأسمالية الأساسية ترسخت بما يكفي للقول إنها حققت انتصارا جعل “الوسط” يبدو وكأنه قد أنجز مهمته التاريخية ولم يعد لديه ما يفعله. هذا أحد الأسباب التي تجعل أحزاب القضايا الهامشية تبرز على حساب أحزاب “الأيديولوجيات الكبرى”. ثمة ما تم وضعه على الرف، فظهرت شؤون ذات طبيعة مختلفة أقل “تاريخية” مما كانت لدى أحزاب “الأممية الثانية”، أو أحزاب اليمين المحافظ التي دافعت عن “الحرية الاقتصادية” و”المبادرة الفردية” (فأنتجت ما يسمى الليبرالية الاقتصادية أو الرأسمالية المتوحشة).

الوسط، كان يعني أن يتخلى كل طرف عن طرفه الأقصى ليتوسط الخيارات السياسية “المعتدلة”، حتى لم يعد ثمة فرق كبير بين أن يحكم العمال أو المحافظون في بريطانيا، أو الاشتراكيون الديمقراطيون أو أن يحكم حزبا التحالف المسيحي في ألمانيا.

الفوارق طفيفة، وتتعلق بالجزئيات لا بالأصول. وكثيرا ما بدا العمال في بريطانيا ينفذون أجندة المحافظين (على الأقل منذ توني بلير)، والعكس صحيح (على الأقل في الخيارات المتعلقة بأنظمة الرعاية الاجتماعية). وهذا ما ظل يحصل في كل أوروبا، على امتداد عدة عقود.

ناليس استقالت لأنها لا تريد أن تتحمل مسؤولية هزيمة ساحقة أخرى ترمي حزبها خارج مكانه “التقليدي” كثاني أكبر حزب في ألمانيا.

أما في بريطانيا، فلا يفعل حزب العمال بقيادة جيرمي كوربن سوى أن يخدع نفسه بالافتراض أنه سيحقق الفوز في الانتخابات البرلمانية المقبلة، لو بقيت خياراته المترددة كما هي. صحيح أنه استعاد مقعده في الانتخابات التكميلية في مدينة بيتربورو، إلا أنه حقق فوزه بفارق بضع مئات من الأصوات فحسب.

هذا الحزب، كما حزب المحافظين، لا يبدو مؤهلا لكسب قاعدة انتخابية تمزقها قضايا “قصيّة”. ولا هو يمتلك اللغة التي يمكنها أن تشكل عامل جذب بين ناخبين تم استقطابهم بعنف لم يسبق له مثيل نحو الهوامش التي كان “الوسط” يتطلب الابتعاد عنها.

في المقابل، فإن القضايا الأصغر، على وجه التحديد، كانت هي القوة الدافعة لعودة الاشتراكيين الديمقراطيين إلى السلطة في الدنمارك. عادوا إليها من بوابات الرؤى اليسارية لقضايا المناخ والعدالة الاجتماعية ورفع الضرائب على الفئات الأغنى.

للمرة الأولى في تاريخ ألمانيا الحديث، يتقدم الخضر ليكونوا الحزب الأكثر شعبية بـ27 بالمئة من الأصوات، حسب أحدث استطلاع أجراه مركز “فورسا” مؤخرا. اندفع تحالف ميركل بحزبيه معا: المسيحي الديمقراطي والمسيحي الاجتماعي البافاري، ليكون ثانيا بـ26 بالمئة من نوايا التصويت، فيما تراجع الاشتراكيون الديمقراطيون إلى المرتبة الثالثة بـ12 بالمئة فقط.

وما لم يلحق عمال بريطانيا بقطار اليسار الحقيقي، فإن بومة مصيرهم المشؤوم ستنعق.

لقد أنجز الوسط مهمته. أوروبا إنما تبدأ عصرا جديدا، يغلب فيه الصعاليك عندما تؤخذ مجتمعاتهم بالخوف، ويغلب المثاليون عندما تؤخذ مجتمعاتهم بالأمل.

9