نهاية حلم جميل

الخميس 2016/09/22

عندما كنت في مايو الماضي في تونس، أخبرتني إحدى بنات العائلة أنها تفكر في مواصلة دراستها للحصول على الماجستير، الخبر الذي أبهجني إلى درجة البكاء تقريبا. فقد توفي والدها، في سن مبكرة بسبب جلطة في الدماغ، وكانت هي في الثانية عشرة من عمرها، لتضع كل قوتها وجهدها في الدراسة كنوع من التعويض عن حرمانها المبكر من الأب، أو ربما أرادت بتفوقها أن ترسل له رسالة مفادها أنها ستواصل النجاح وإن لم يكن موجودا.. وإن قست عليها الظروف.

اجتازت الثانوية العامة بتفوق، وانتقلت لدراسة إدارة الأعمال في الجامعة وأنهت أيضا هذه المرحلة بسرعة عجيبة. طوال هذه السنوات كنت أرى التحدي في عينها، وشعورا بالرغبة في التغلب على وضعها الصعب والخروج إلى حياة أفضل. وكان هذا التحدي يصل أحيانا إلى مرحلة المكابرة، فقد كانت تريد أن تنجح بأي ثمن.

عندما أخبرتني أنها ترغب في مواصلة دراستها العليا، لم أفاجأ كثيرا، فكل شيء كان يقول إنها لن تتوقف، وأن الدافع الذي يحركها أقوى من أي عراقيل، وأنها لن ترضى إلا بأفضل ما هو موجود. كان الأمر يشبه ماكينة داخلية تدور بلا توقف، لم تكن لها يد فيها ولا قدرة على إيقافها.

صدمتي كانت بلا حد عندما عرفت منذ أسابيع قليلة أنها ستتزوج من قريبها. بقيت للحظات صامتة لا أعرف بماذا أرد. سألت فقط إن كانت تحب الرجل الذي تقدم لها، فقيل لي مناسب جدا، ومستور ماديا، ومحترم “خلقا وأخلاقا”.

لا أعرف ماذا حدث خلال هذه الأشهر القليلة جعل فتاة كهذه، ناجحة، منطلقة، متفوقة، حريصة بكل جهدها على مستقبلها، ومدفوعة بقوة جبارة نحو حياة مميزة، تخر فجأة وتختار أن تكون زوجة وربة بيت ليس أكثر.

تألمت، ليس فقط من أجلها، ولكن من أجل كل فتاة تتخلى عن حلمها لصالح رجل، مهما كان مناسبا، وأيا كانت أسبابها ودوافعها، فلا شيء يؤلم أكثر من أن تتخلى عن حلمك الذي تعبت لأجله سنوات وسنوات، وحفرت من أجله بأسنانك في الحجر، وسهرت الليل، وتعرقت ونزفت، فإذا به يتبخر فجأة أمام عينيك، وأنت مغيب ومسلوب الإرادة ومستسلم لقدر لم يكن يوما خيارك الأول. أتألم من أجل هذا الجيل الهش، الذي علموه أن الحب حرام، وأن العلاقات يجب أن تأخذ شكلا رسميا دائما، وأن الفتاة مصيرها بيت ورجل مهما صعدت أو تفوقت وأن رجلا “مناسبا” أو رجلا محترما “خلقا وأخلاقا” هو غاية ما يمكن لفتاة أن تدركه وهو مكسب لا يجب التفريط فيه. وبديهي أن فتاة تمر بمرحلة المراهقة، لم تختلط برجل، أو تفتح قلبها لنداء الحب، تفقد مقاومتها سريعا أمام أول عرض.

كان جيلنا مختلفا، تعلمنا واختلطنا وأحببنا وأحبونا، وعشنا شبابنا كما يجب دون عقد أو محرمات أو كوابيس كالتي تجول في عقول هذا الجيل. وحصّنا هذا الانفتاح من ارتكاب أخطاء كهذه. تعلمنا وأكملنا دراستنا وتزوجنا في سن متأخرة، لنربح الاثنين: المستقبل الجيد والرجل الناضج المناسب لمستوانا الفكري ومكانتنا في المجتمع والحياة. فمن أين جاءت هذه الصحراء التي تمتد على أبنائنا فتشوه مستقبلهم وطموحهم وتعلمهم أن الفتاة مكانها في بيت زوجها؟ كيف نقاوم برب السماء، هذا التصحر في الفكر وهذا الارتداد المدمر الزاحف على كل ما هو جميل ومشرق؟

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

21