نهاية سردية للدكتاتور

الخميس 2017/03/02

قبل أن تنقض العُقبان على شرفة القصر الرئاسي في “خريف البطريرك” كان ماركيز يضع الخاتمة قبل البداية للدكتاتور ويرسم نهايته كبقرة على شرفة الوطن. ومثل هذه النهاية شهدناها في بعض دكتاتوريات الوطن العربي وإنْ على نحوٍ مختلف في المشاهد التلفزيونية-الفيلمية التي نقلتها شاشات العالَم، وما بقي من هؤلاء الآفات، يمكن أن نرسم لهم نهايات سردية مشابهة لنهاية دكتاتور ماركيز كأبقار مازالت على شرفات الأوطان؛ وهم كثيرون حتى الآن.

والدكتاتور العربي المقترح سردياً (اقترحوه أنتم واقعياً) كان يرى قبل انقضاض العُقبان والغربان عليه منظر الجبال المحيطة به وهي تتجمل بالثلج، مثلما ذات يوم، كان يرى البحر الذي جابَهُ سنوات طويلة واغتسل بمياهه الزرقاء تحت شمسه التي يعرفها جيداً. لكن الجبال ضاقت عليه والبحر أخذ يبتعد خطوات كلما تقدم إليه خطوة كما لو كان بينهما حاجز من نار. وكانت السماء تنحسر كلما نظر إليها وكانت الشمس تتحول إلى غروب بطيء في عينيه المتعبتين.

قبل موته بلحظات كان يأمل في معجزة تنتشله من السواد المتراكم على صدره وتزيح عنه غشاوة الحلم الطويل الذي عاشه لكنه بقي يراهن على الفوضى، وهم يراهنون على الفوضى أيضا، فمن الفوضى يمكن استشفاف حلم الأكثرية الصامتة التي افترعها صوت من السماء لكي تتهيأ إلى حالٍ أخرى هي حالٌ لم يقل عنها الشفيع أنها بيضاء أو زرقاء، لكنها فراق الدكتاتور عن رعيته وفراق الراعي عن قطيعه الذي سامَهُ سنوات طويلة سوء العذاب.

في لحظة ما أدرك الدكتاتور ضعفه وقلة حيلته ورفيف قلبه الحجري ورعشة يده التي لا تقوى حتى على الإشارة وأحس لأول مرة في حياته أنه إنسان فارغ وأنه ضعيف مثل قشرة البصل وتعجب من سريرته كيف تمكّن من حكم الحياة كل هذا العمر الطويل!

ينحسر الزمن بينه وبين الشعب حتى يكاد يتلاشى في لغة الدم التي بدأ يتقنها قاتلوه فالشهور الطويلة التي طاردوه فيها علمتهم الجرأة على الحياة والتطاول على الأب، فالأبُ في لحظة الموت المحتومة يتحول إلى عفريت من نار يتوجب إطفاء خطره برصاصة سريعة ليشعر أنه انطفأ وإلى الأبد.

في لحظة قتله التي لم يتوقعها كان الدكتاتور يستغيث بأبنائه المتوحشين متوسلاً الرحمة والرأفة بطريقة بدت لبعض أبنائه البررة أنّ الأب يستوجب أن تطلق عليه طلقة الرحمة الأخيرة، فيما كان الآخرون من الأبناء البررة يتسلّون بعذاباته السريعة وهو ينحني أمام ثقل بنوّتهم الحبيبة التي ربّاها، كما يظن، فأحسن تربيتها في هذه اللحظة الخاطفة التي أنهت أسطورته الشخصية.

وقبل أن يغمض عينيه، في تقلص الزمن الأخير، رأى أحشاءه متوزعة بين الأبناء والأحفاد يأكلون منها كي تزيدهم مناعة من غدر الزمن المقبل، ورأى بعضا منهم وقد حنّطوه ليلتقطوا معه صوراً تذكارية، بطريقة السيلفي الحداثوية، لأبٍ سيموت بعد قليل برصاصة ثانية وثالثة، فالأبناء جزعوا من بقاء الأب جاثماً على صدورهم عقوداً من الزمن كاملات مكمّلات فلا أبَ بعد الآن يجمّد الزمن ويقتل الحياة.

ابتعد البحر عن شرفة الوطن واسودّت أمواجه وانفلقت الجبال أمام أنظاره الكليلة وغابت شمس الحياة في أرض كانت له، بعد عدد من الصفعات التي أرادت أن تبقيه حيا، ولو لوقتٍ قليل، حتى يرى نهاية البحر ونهاية الشمس ونهاية الدكتاتور الذي اقترف الحياة السوداء لأجيالٍ طويلة من دون أن يكف عن هذه السمعة السيئة، التي أوصلته إلى أن يكون بقرة على شرفة الوطن تتناهبه الغربان والعُقبان.

كاتب من العراق

14
مقالات ذات صلة