نهاية عصر المخرج الديكتاتور

الأحد 2013/09/29
تحولات المسرح الحديث في أوروبا

باريس- ما هو واقع المسرح في أوروبا اليوم؟ ما هي مواصفاته؟ ألا يزال المخرج ضروريا؟ كيف يتفاعل الكتّاب مع المرحلة التي يعيشونها؟ تلك بعض القضايا التي أثيرت خلال موائد مستديرة انتظمت منذ بضعة أسابيع في مدينة رين الفرنسية، وجمعت نخبة من رجال المسرح في أوروبا، على هامش مهرجان "الإخراج"، أو كيف نخرج عملا فنيا بمقاربة مسرحية حديثة.

احتوى المهرجان على عروض متنوعة من أنكلترا وبولندا وهولندا وألمانيا وإيطاليا وسويسرا وبلجيكا والبرتغال إلى جانب فرنسا طبعا، تجاورت فيها المسرحيات ما بين الحديث (بعد المعركة للإيطالي بيبّو ديلبونو، اِنقباض للأنكليزي مايك بارتليت، نشيد العذراء للبولندية مارتا غورنيكا) والوسيط (هنري السادس لشكسبير، بِالْقَول لرابليه) والقديم (الطيور لأريستوفان، الوليمة لأفلاطون).


تفكيك فلسفي


تطارح المشاركون مسألة الخلق المسرحي، ولاحظوا أن ما تغير بشكل ملحوظ هو موقع النص من العمل المسرحي، خصوصا في ألمانيا، حيث صار المخرجون يخلعون عنه هالته ويفككونه حدّ العظم، كما فعل توماس أوسترماير مع "عدوّ الشعب" لإبسن، إذ أعاد كتابته بنسبة أربعة أخماس. يقول المخرج الألماني الذي يدير مسرح "شوبونه" ببرلين: "لم يعد النص عندنا أساس المسرح الحالي. لقد طورنا البحث "ما بعد الدرامي" بالتعاون مع الأميركي بوب ويلسن ومسرح تانز بإدارة بينا بوش.

واستفدنا من العمل التفكيكي الذي دأب عليه فرانك كاستورف مدير "فولكسبونه"، مثلما استفدنا من تفكيكية الفلاسفة الفرنسيين دريدا وفوكو وبودريار. ثم اتجهنا وجهة معاكسة وجنحنا إلى إعادة التركيب. ومن ثَمّ، لم يعد بمقدور المؤلفين التابعين لفرقتي مثل فالك ريختر أو ماريوس فون ماينبورغ أن يسيروا في تأليفهم على خطى السابقين، فنصوصهم، الشبيهة بالقطع الناقصة، تروي حكايات مبتورة وتصور أشخاصا مهشّمين.

منذ خمسة عشر عاما وأنا أعيد البناء على طريقتي. مسرحية "موت في البندقية" لتوماس مان، التي عرضتها هنا على خشبة المسرح الوطني البريطاني برين، أروي عقدتها من خلال ممثلين طبعا، ولكن من خلال الرقص والموسيقى والفيديو أيضا… ولا أستعين بالنص إلا ماما".

كذلك الشأن في بلجيكا أيضا، إذ تقول فراي لايسن مؤسسة مهرجان الفنون ببروكسل: "لم يعد المسرح الخالي من النص يثير الجدل. لقد تم ذلك عبر مراحل متتالية، حتى وصلنا إلى اندماج المؤلف والمخرج في شخص واحد، أي أن يكون المؤلف هو نفسه المخرج أو العكس".

والحقيقة أن المخرجين هم الذين صاروا يستغنون عن المؤلف ويعدّون بأنفسهم مادة عرضهم، كما هو الشأن مع جويل بوميرا في فرنسا، ورودريغو غارثيا في إسبانيا، وألان بلاتيل في بلجيكا. فالعالم يتفتت، والنص يتشظى، ولكن رجل المسرح يغدو فنانا شموليا، يتقمص أحيانا جميع الأدوار، من تأليف وإخراج وتمثيل. وتساءل بعضهم عما يقدمه أولئك المغامرون الجدد.

يقول نيكولاس ستيمان، وهو من القلائل الذين لا يتقيدون بالتعاون مع مسرح معين، حيث لا يفتأ يتنقل بين الفرق الألمانية من هامبورغ إلى كولونيا وبرلين: "المسرح الألماني لا يطمح إلى الجمالية (الجمال قضية فرنسية). هو أولا عدواني: بريخت حطم الجدار الرابع، جدار الوهم، أما أنا فأريد تحطيم كل جدران المسرح. لا أريد أن أترك العالم ومشاكله خارج الخشبة، لذلك أحدث ثقوبا لكي أتيح للواقع أن يدخل. حتى وإن لم تكن الغاية تمرير خطاب".

السياسة ليست غريبة عن المسرح الأنكليزي منذ شكسبير، ثم إدوارد بوند وهارولد بنتر وسارا كين، ولكن الأحفاد لا يزالون ملتزمين بالبنية الدرامية القديمة، حيث العلاقة بين المسرح الأدبي والمسرح التجريبي هشة، مع استثناءات قليلة مثل روبن أرثر الذي يتنقل بين لندن وبرلين، ويحاول ضمن مجموعته "فورسيد إنترتيمنت" الاستفادة من التجربة الألمانية.

وكذلك دفيد لان مدير مسرح "يونغ فيك" بلندن الذي يرى أن الاحتقان السياسي سيخلق مسرحا جديدا. "لدي اعتقاد -يقول لان- بأن المسرح يمكن أن يوحدنا نحن الأوروبيين، ليس بالنصوص وحدها، وإنما أيضا بالكيفية التي نستغلها والطريقة التي نخاطب بها الجمهور".


حلحلة الخطوط

السياسة ليست غريبة عن المسرح الأنكليزي


أما في إيطاليا حيث يشهد المسرح منذ أعوام طويلة ثورة في الشكل والمضمون، فالجيل الذي ظهر في أواسط السبعينات قام على فكرة دمج الأنماط الفنية لاستقطاب المتفرجين، كما فعل روميو كاستلّوتشي وبيبّو ديلبونو في تمرد واضح على أساتذتهما جورجو ستريلر ولوكا رونكوني اللذين تعاقبا على إدارة المسرح الصغير بميلانو.

يقول جورجو بربريو كورسيتي: "قطعنا مع أستاذينا ووضعنا مسألة وجود المخرج موضع مساءلة، وأقمنا بدلا عنها مجموعات من ممثلين ورسامين وراقصين وعازفين وسينمائيين، تبتكر لغتها انطلاقا من أنماط التعبير الخاصة بكل فئة، وهي في نظرنا الطريقة الأمثل".

ولعل أبرز مثال على ذلك فرقة "موتوس" التي تتنقل عبر المدن الإيطالية لعرض عمل مستمد من "أنتيغون" يأتلف فيه الرقص والغناء بالتمثيل ومشاهد الفيديو، إلى جانب الالتزام السياسي، ولكن خارج المسارح القارة، ذات المقاربة التقليدية، لملامسة شرائح المجتمع اللاهثة خلف العيش الكريم، في بلد يعيش على وقع الأزمات السياسية والاقتصادية.

كذلك الشأن في الأراضي الوطيئة (بلجيكا وهولندا) حيث "الموجة الفلندرية" – وهي خليط بين الرقص والتمثيل والارتجال التشكيلي والتعبيرية الحرة – صورة متطورة عن مسرح يقوم على كسر الحواجز والدمج بين مختلف الأنماط الفنية، ترامت أصداؤها حتى في ألمانيا، بلد المسرح بامتياز.

ولسائل أن يسأل: ألا تفقد تلك العناصر المسرح علاقته بالكلمة؟ إذا كان صحيحا أن كل فنان أصيل يتوق إلى حلحلة الخطوط بحثا عن الجدة والطرافة، فإلى أي حد يمكن تحطيم الحواجز دون أن يفقد المسرح طابعه المميز؟

14