نهاية عصر النفط

الاثنين 2016/01/04

التحولات الاجتماعية، صعودا وهبوطا، تأتي نتيجة لمتغيرات معقدة في المسارات السياسية والاقتصادية تحديدا، ولا يبدو أن هناك متغيرات أخرى ذات تأثير مهم على التحولات، فالسياسة تمنح المجتمع عوامل استقراره ونهضته وتطوره، أو انهياره، وكذا الحال بالنسبة إلى الاقتصاد، إذا تمت إدارته بصورة منهجية ومخطط لها ينجح في تحقيق الكثير من القيم الإيجابية لصالح المجتمعات، وصولا بها إلى مراحل الرفاهية والازدهار والتنمية الشاملة والمستدامة، والعكس صحيح، وفي كل دول العالم هناك تجارب متعددة لقيام وسقوط الدول، غير أن الركيزة المهمة في ذلك هي وعي المجتمع، إذ دون تقديرات تستوعب المتغيرات فإنها لن تساعد في الوصول إلى النتائج الإيجابية.

في التاريخ العالمي المعاصر كانت فترة الثلاثينات الميلادية هي فترة الركود الاقتصادي العظيم، حتى الولايات المتحدة الأميركية شهدت هزات عظيمة، وتلا ذلك الحرب العالمية الثانية وفيها تم استنزاف ثروات هائلة، ولكن الرابحين رغم تعثرهم ودخولهم مراحل الركود والانكماش استطاعوا بوعي نموذجي عبور الأزمات الاقتصادية بسبب الحرب وتراجع الاقتصاد، وهي الآن دول المقدمة العالمية في الرفاه والازدهار، ولذلك يمكن الجزم بأن السياسات الاقتصادية المنهجية لم تنجح دون عمق اجتماعي قائم على إدراك المتغيرات التي عصفت برفاه الناس.

الآن، الاقتصاد العالمي، بشكل عام، يعاني تراجعا تاريخيا بسبب هبوط أسعار النفط والإرهاب وغير ذلك من العوامل التي تتعلق بأسواق الأسهم والعملات والحروب الباردة وتلك التي بالوكالة، ولأن النفط هو مادة اقتصاديات دول الخليج فبالضرورة أن تتأثر بصورة مباشرة، وذلك يفسر عجز ميزانياتها باستثناء توازن ميزانية دبي، وذلك عطفا على ما سبق وذكرته يتطلب وعيا مجتمعيا للخروج من عنق الزجاجة الاقتصادية، لأن الناس لم تعتد ضغوطات اقتصادية ربما تؤثر على نمط حياتها، رغم أن هناك إجراءات اقتصادية تم اتخاذها للتقليل والتخفيف من عجز الميزانيات.

الوعي الاجتماعي له أهمية كبرى في هذه المرحلة، وليس هناك من يجهل الممارسات الاقتصادية، فكل فرد هو بمثابة اقتصادي ولو بالحد الأدنى من المعرفة الاقتصادية، وكما يتناقش الأفراد في الديوانيات في قضايا سياسية من واقع الأخبار التي يشاهدونها أو يتناقلون أخبارها عبر الوسائط الاجتماعية فكذلك الاقتصاد، وهو عامل مهم لأنه الذي يحدد نوع الحياة التي يعيشونها طالما توفر الأمن والاستقرار. ولذلك يجب الاستعداد لمواجهة الاحتمالات السيئة لعجز الميزانيات بأفق يتسع لوجود أضرار خارجية من صميم الاقتصاد العالمي الذي نحن جزء منه.

وطالما نعتمد على النفط بشكل رئيسي في إيرادات الدول فمن الطبيعي أن يحدث تراجع في مستويات المعيشة، ذلك لأنه لم تتم معالجات جوهرية في ما يتعلق بالخروج من عباءة الاقتصاد الريعي من خلال تنويع الاستثمارات، ما يتطلب من الدول السعي إلى تغيير منهجها الاقتصادي في الاستثمار لأن فكرة الاعتماد على النفط فقط هي فكرة غير عملية ولم تعد ذات جدوى، فهناك دول لا تمتلك موارد نفطية أو غيرها واستطاعت أن تكون في مقدمة الاقتصاديات العالمية من خلال الاستثمارات المتنوعة، وذلك ما نفتقده بما يجعلنا ننكأ الجراح الاقتصادية للبحث عن بدائل في هذا المجال تتعامل مع القصور النفطي.

وحتى يحدث ذلك لابد من التركيز على فتح المسارات لمعالجة أي تقصير في الوعي بمتغيرات المرحلة المقبلة لأننا نتجه إلى نهاية عصر النفط، وبدء مرحلة جديدة تتطلب سلوكيات اقتصادية أكثر ترشيدا في السياق الاجتماعي، وأكثر تنوعا استثماريا في سياق الاقتصاد الكلي، ودون ذلك سنصبح الأكثر خسائر لأننا لم نتحرك تجاه الحلول في الوقت المناسب، وحينما تطلب الأمر أن نتحرك فبقينا ننتظر حركة صعود النفط التي ربما تتأخر وقد لا تأتي.

كاتبة سعودية

9