نهاية فترة الذروة لتنظيم داعش

السبت 2017/02/25

تسلط سيطرة تحالف قوات “درع الفرات”، المدعوم من تركيا، على مدينة الباب شمالي سوريا، وقبلها على كامل الشريط الحدودي، الضوء على تحول قتال تنظيم الدولة الإسلامية من معركة مهملة لا تعني أحدا، إلى أم المعارك ومحور اهتمام كل طرف.

جرى تجاهل تنظيم داعش على مدى السنوات الأربع الماضية من قبل جميع القوى المتحاربة. انشغلت المعارضة السورية بمعاركها الطاحنة والمتواصلة مع النظام السوري. أعداد لا متناهية من جبهات القتال كانت تثقل كاهلها وتمنعها من فتح جبهات جديدة.

الأهم من ذلك هو القناعة الراسخة التي سادت خلال تلك السنوات لدى المعارضة السورية بأن سقوط النظام أمر حتمي مهما طال انتظاره. ومع سقوطه، سوف تتفرغ المعارضة لمهمة قتال داعش، وستحظى فوق ذلك بدعم وترحيب دوليين.

لم تكن تلك القناعة الراسخة حكرا على المعارضة، بل شملت النظام السوري وإيران وروسيا. كان تركيز النظام السوري وحلفائه منصبا على سحق المعارضة بصورة عامة، والمعتدلة منها بصورة خاصة. بدأت تصفية الثورة السورية باستهداف الناشطين السلميين والسياسيين، ثم انتقل الاستهداف إلى المعارضة المسلحة المعتدلة.

كان الهدف الرئيسي هو تدمير ما عرف بـ”الجيش الحر”، باعتباره عنوانا سياسيا يرتبط بالتغيير والانتقال نحو نظام سياسي جديد. وفي مرحلة لاحقة، جرى استهداف الجماعات السلفية التي تمتلك توجها سياسيا والتي ظهرت في العامين الماضيين كمنافس جدي للنظام. أما استهداف التنظيمات التي تعتنق العدمية السياسية، مثل داعش والنصرة، فلم يقع من ضمن اهتمامات النظام السوري وحلفائه.

وهنا ساد الاعتقاد أيضا أن تصفية كل أشكال المعارضة سوف تجعل طرد التنظيمات الإرهابية من سوريا مهمة يسيرة، تتمتع بدعم دولي يعيد الشرعية للنظام.

أما تركيا فطالما تجنبت الاصطدام مع داعش لعدة سنوات. إذ اعتبرت أن التنظيم رغم عدميته السياسية وصعوبة التكهن بسلوكه، فضلا عن التحكم به، فإن محصلة وجوده تعتبر صفرية إن لم تكن إيجابية. فوجوده يزيد من الفوضى الحاصلة في سوريا وهو ما قد يحفز المجتمع الدولي على التدخل أو على دعم جهد عسكري تركي للإطاحة بنظام الأسد. الأهم هو إمكانية أن يوقف التنظيم التمدد العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وهو ما لم يحصل.

أما الأكراد فقد كانوا مشغولين بحماية مناطقهم التي تركها لهم النظام السوري مقابل التزامات معينة تجاهه منذ العام 2012. لم يكن طموحهم بإنشاء كيان كردي في شمال سوريا قد ظهر بعد. كما لم يكونوا قد أصبحوا الابن المدلل للولايات المتحدة الأميركية، التي دعمت وشاركت في كل عملياتهم العسكرية لاحقا. بهذا المعنى، شهد تنظيم داعش فترة ذهبية من التجاهل العمد التي أتاحت له التمدد على مساحات كبيرة والسيطرة على مناطق حيوية في سوريا والحفاظ عليها لسنوات رغم استهدافه من قبل الولايات المتحدة وحلفائها.

أما اليوم فيبدو المشهد مختلفا تماما، إذ تتسارع الحرب على تنظيم داعش ويتسارع معها السباق على المشاركة في تلك الحرب.

المشاركة العسكرية التركية المتصاعدة تبدو واضحة المعالم والمرامي، إذ يبدو هاجسها الوحيد هو منع الأكراد من التمتع بأي كيان سياسي ذي حكم ذاتي مهما صغر حجمه وتقطعت أوصاله. المعارضة السورية تقاتل داعش بعد أن ازداد تفككها وتراجعت قواها وخسرت مناطق شاسعة من البلاد لصالح قوات النظام، وبالتالي لم يعد في جعبتها خيارات كثيرة تمكنها من المناورة.

بالنسبة إلى الأكراد الذين يحاصرون مدينة الرقة اليوم ويتطلعون إلى السيطرة عليها، فإن الحرب على داعش هي الفرصة الوحيدة لدفع مشروع كيانهم السياسي نحو الأمام. كما تتيح لهم المشاركة المستمرة في تلك الحرب تمتين تعاونهم العسكري مع الولايات المتحدة الأميركية، وهو التعاون الذي ساهم في إعطائهم كيانا عسكريا أكثر تماسكا وحماية نسبية من تركيا.

النظام السوري، بدوره، لم يكن ليقف متفرجا على تلك الوليمة التي تبدو في متناول الجميع دون أن يتقدم ليزاحم على قطعة من هنا وقطعة من هناك. هكذا، رأينا النظام الذي لا يقاتل تنظيم داعش إلا دفاعا عن مواقعه ويتقدم جنوبا نحو مدينة الباب في سباق مع تركيا على السيطرة عليها.

هل من متسابق أخير؟ نعم. إذ يتوقع أن تلتحق إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسباق قتال تنظيم داعش بأقرب فرصة بعد أن تعيد ترتيب أوراقها في سوريا والعراق. يواجه الرئيس الجديد سلسلة أزمات داخلية يبدو أنها ستزداد مع مرور الوقت.

ولذلك، فإن تصعيد القتال مع تنظيم الدولة الإسلامية يبدو أمرا حتميا وحيويا بالنسبة إلى الإدارة الأميركية الجديدة. ورغم تصاعد القتال مع التنظيم إلى وتيرة غير مسبوقة، من المتوقع أن تقوم إدارة ترامب بتسريع هذا النسق، أو حتى بنقله إلى إحداثيات جديدة تسميها “الحرب على الإرهاب الإسلامي”.

كاتب فلسطيني سوري

9