نهاية فكرة التطبيع الأميركي الروسي

قضية تقديم موسكو مكافآت لمتمردين من طالبان لقتل أميركيين في أفغانستان تبدد آمال التقارب بين القوتين.
الأربعاء 2020/07/01
طريق ترامب وبوتين.. ليس سالكا

واشنطن - كشفت قضية حصول الاستخبارات الأميركية على معطيات تفيد بأن روسيا قدمت مكافآت لمتمردين مرتبطين بحركة طالبان مقابل قتلهم جنودا أميركيين في أفغانستان، تبدّد آمال تطبيع العلاقات بين القوتين العظميين في عهدي الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين.

تأتي هذه القضية لتنهي كل ذلك التفاؤل الذي ظهر مؤخرا بحصول المزيد من التقارب بين الدولتين وذلك حين عرضت روسيا في أواخر شهر أبريل تقديم مساعدات للولايات المتحدة لمكافحة فايروس كورونا.

وطبعت الولاية الأولى لترامب في البيت الأبيض محاولاته غير المثمرة في التقارب مع روسيا. والآن، ومع اقتراب انتهاء فترة رئاسته، لا يزال تحقيق هذه الرغبة يصطدم مراراً وتكراراً بالتطورات الراهنة.

وظهرت في الآونة الأخيرة قضية معقدة لتكون تذكيراً بمدى استحالة تحقيق الرئيس الأميركي تطبيعاً للعلاقات مع روسيا، بعدما كان اقترح مرة جديدة، دعوة نظيره بوتين إلى القمة المقبلة لمجموعة السبع التي استبعدت منها روسيا في عام 2014 بعد ضمها شبه جزيرة القرم.

كوري غاردنر: يجب وضع روسيا على اللائحة السوداء للدول الداعمة للإرهاب
كوري غاردنر: يجب وضع روسيا على اللائحة السوداء للدول الداعمة للإرهاب

وبحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، حصلت الاستخبارات الأميركية على معلومات مؤكدة تفيد بأن موسكو قدمت مكافآت لمتمردين مرتبطين بحركة طالبان مقابل قتلهم جنوداً أميركيين في أفغانستان.

وتزايدت التساؤلات والتكهنات منذ عطلة نهاية الأسبوع حول هذه القضية، عززها بيان مثير للحيرة من البيت الأبيض، فهل أبلغ الرئيس الأميركي بذلك كما أكدت عدة وسائل إعلامية؟ وإذا كان أبلغ فعلاً، لماذا لم يقم بأي رد؟ وفي حال لم يبلغ، لماذا اعتبر فريق العمل المحيط به بأن إعلامه بمثل هذه المعلومة المدوية ليس بالأمر الضروري؟

وأكد البيت الأبيض بدايةً أن الاستخبارات لم تعتبر تلك المعلومة “موثوقة”، قبل أن يشير، الاثنين، إلى غياب التوافق حولها في هذه المرحلة في أوساط الاستخبارات.

لكن التعليق الرسمي جاء متأخراً جداً، فالطبقة السياسية الأميركية المناهضة لروسيا بشكل كبير، لم تتوان عن التصعيد على الفور.

في المقابل، نفت روسيا السبت الماضي المعلومات التي أوردتها الاستخبارات الأميركية التي تقول إن واشنطن باتت على قناعة بأنّ روسيا دفعت سرّاً أموالاً لمقاتلين مقرّبين من طالبان لدفعهم إلى قتل جنود غربيين في أفغانستان.

وذكرت السفارة الروسية في الولايات المتحدة في تغريدة على تويتر أن “هذه الاتهامات، التي لا أساس لها من الصحة ومجهولة المصدر والتي تفيد بأن موسكو تقف وراء مقتل جنود أميركيين في أفغانستان، أدت إلى تهديدات مباشرة لحياة موظفي السفارتين الروسيتين في واشنطن ولندن”.

وأشعلت هذه القضية جدلا واسعا في الأوساط الأميركية وخاصة داخل معسكر الديمقراطيين، حيث اعتبرت الرئيسة الديمقراطية لمجلس النواب نانسي بيلوسي أنه مع دونالد ترامب “كل الطرق تؤدي إلى بوتين”.

ودعا من جهته السناتور الجمهوري كوري غاردنر إلى وضع روسيا على اللائحة السوداء للدول الداعمة للإرهاب. والملف الروسي هو الوحيد الذي لا يزال يخالف فيه معسكر الرئيس موقف زعيمه.

ويجد التشكيك بشأن موقف ترامب من روسيا جذوره في وعوده الانتخابية بتحسين العلاقات مع بوتين، لكن أيضاً بشبهات التواطؤ بين الكرملين وفريقه الانتخابي التي سممت جزءاً كبيراً من ولايته.

وصبّ ترامب الزيت على النار في صيف عام 2018 في هلسنكي حينما بدا مقتنعاً بكلام بوتين الذي نفى له مباشرةً أي تدخل روسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، وهي شبهات مؤكدة بالنسبة للاستخبارات الأميركية.

وكما أشار إلى ذلك جيمس جاي كارافانو من المؤسسة المحافظة “هيريتدج” فقد كانت كارثة، مضيفاً “أعتقد أن الرئيس استخلص الدروس من تلك التجربة”.

وتعهد كل الرؤساء الأميركيين منذ نهاية الحرب الباردة بتحسين العلاقات مع موسكو، لكن النتائج جاءت متفاوتة.

ويقول كارافانو الذي كان عضواً في فريق ترامب الخاص بالمرحلة الانتقالية مباشرةً بعد انتخابه، إن “تعهدات الرئيس كانت فارغة بقدر تعهدات الآخرين”.

وأكد كارافانو “لم تكن هناك خطة سرية من أجل تحسين العلاقات مع روسيا”. ولخص الإشكالية بالقول إنه “من أجل علاقات أفضل مع روسيا، ينبغي تغيير بوتين”، مضيفاً “لا يوجد أي مؤشر إلى أن بوتين يريد التغيير”.

جدل داخلي مستمر
جدل داخلي مستمر

يدافع هذا الخبير مع ذلك عن السياسة الحالية لإدارة ترامب التي أظهرت في الواقع بعض الحزم إزاء روسيا. ويرى أن المعلومات حول المكافآت الروسية في أفغانستان تؤكد أن التقارب الروسي – الأميركي ليس خياراً.

ويستند المدافعون عن فكرة أن بوتين لا يريد تحسين العلاقات مع واشنطن على كلام المتحدث باسم الرئاسة الروسية (الكرملين)، دميتري بيسكوف، في ذروة أزمة كورونا حين بدد هذا الأمل في أحدث تصريحاته.

وقال بيسكوف في تصريحات صحافية أواخر شهر أبريل إنه لا ينبغي للمرء أن ينغمس في التفاؤل المفرط في ما يتعلق بالعلاقات بين موسكو وواشنطن.

وأضاف “لا أود الإفراط بالتفاؤل هنا. نعم، نحن نتفاعل في المواقف الصعبة. ونعمل معا عندما يكون ذلك مفيدا للطرفين. وقبل ذلك، في مثل هذه الحالات، لم يتم قطع الاتصالات”.

وبالنسبة لماثيو روجانسكي من مركز “وودرو ويلسون” الدولي للباحثين، تظهر هذه القضية إلى أي مدى تدهورت العلاقات بين الطرفين.

ويلفت إلى أنه “بالنسبة لمن يتابعون الملف، ليس صادماً معرفة أن الروس يبحثون عن وسائل لقتل أميركيين. نحن في نزاع مع هؤلاء الناس”.

وأضاف أن ست سنوات من العقوبات أثبتت أن الولايات المتحدة غير قادرة إلا “على إلحاق القليل من الضرر بروسيا، لكن ليس لدرجة تدفعها إلى تغيير سلوكها”.

ويعتبر أن هناك خطراً باستمرار التصعيد، لاسيما وأن روسيا لم تعد تراهن على الرئيس المرشح ترامب كما في الماضي.

ويذكر الخبير مع ذلك أنه حتى في أحلك أوقات الحرب الباردة، الحوار بين الطرفين لم يتوقف تماماً.

وحول إمكانية أن يكون أمام القوتين المتخاصمتين الاستفادة من المحادثات التي أطلقت الأسبوع الماضي حول اتفاقية “نيو ستارت” للحد من الأسلحة النووية، من أجل تعميق الحوار بينهما، يرى ماثيو روجانسكي “إذا كنا نبحث عن مدخل للحوار، فهذا هو”.

6